عرّفت السياسة بأنها فنُّ تدبير الشَّأن العام والسعيُّ وراء مصلحة الأفراد والشعب، وعرفها سعادة بأنها «فنّ تحقيق الأغراض القومية»، هدفُها تنظيمُ المُجتمع نحو الأفضل وتحقيق العدالة.

وتطور مفهوم السياسة مع مرورِ الزمن. فقبل نيقولا مكيافيلي، كانت السياسة تدبَّرُ من وجهة نظرٍ أخلاقيّة (أفلاطون، أرسطو). وبعد فترة مكيافيلي الذي قلبَ التفكير السياسي برمَّته، تمَّ قطعُ الصلة مع الأخلاق في السياسة، وأصبح الفكر السياسي يدارُ بذكاءٍ كبير ودهاء وخبث، وبشكل يعودُ بالنَّفع على الحاكم من أجل الحفاظ على السلطة.

وقد تطور الفكر السياسي والاجتماعي في أوروبا في القرون الماضية بشكل مطرد، أسس لظهور المفاهيم المعاصرة. نستعرض في هذا البحث أهم ما قدمه رواد الفكر الأوروبي، ومن ثم نجري مقارنة بين سعادة وكل منهم، في معرض تشكيله لأساسات فكره ونظرته الخاصة المميزة.

 كارل ماركس (1818 - 1883) 

فيلسوف ألماني، واقتصادي، وعالم اجتماع، ومؤرخ، وصحفي ثوري لعبت أفكاره دورًا هامًا في تأسيس علم الاجتماع وفي تطوير الحركات الاشتراكية. واعتبر ماركس أحد أعظم الاقتصاديين في التاريخ. نشر العديد من الكتب خلال حياته، أهمُها بيان الحزب الشيوعي (1848)، ورأس المال (1867-1894)

نظريات ماركس عن المجتمع، في الاقتصاد والسياسة - المعروفة باسم الماركسية - تفترض أن كل المجتمعات تتقدم خلال الصراع بين الطبقات الاجتماعية: صراع بين طبقة الملاك المتحكمين بالإنتاج وطبقة العمال الذين يعملون لإنتاج السلع. عارض ماركس بشدة النمط الاقتصادي الاجتماعي السائد في وقته، أي الرأسمالية، التي أسماها دكتاتورية «البورجوازية»، التي كان يعتقد أنها مسيرة من قبل الطبقات الغنية لأجل مصلحتهم البحتة، وتوقع بأن الرأسمالية كسابقاتها من النظم الاقتصادية الاجتماعية ستولد من دون شك توترات داخلية تقودها إلى التدمير الذاتي واستبدالها بنظام جديد: الاشتراكية. زعم أن المجتمع تحت النظام الاشتراكي سوف يحكم من قبل الطبقة العاملة فيما أسماه «دكتاتورية البروليتاريا»، أو «دولة العمال» أو «ديموقراطية العمال». كان يعتقد أن الاشتراكية بدورها سوف تستبدل بمجتمع بدون دولة وبدون طبقية وهو الشيوعية. بالإضافة إلى إيمانه بحتمية الاشتراكية والشيوعية، نشط ماركس بالمحاربة لتطبيق الاشتراكية، زاعما أن على العلماء النظريين الاجتماعيين والجماهير المعدمة تنفيذ عمل ثوري منظم للإطاحة بالرأسمالية والقيام بتغيير اقتصادي اجتماعي.

في حين كان هيغل قد فكر في شروط مثالية ووضع الأفكار في الصدارة، سعى ماركس إلى إعادة كتابة الجدلية (الديالكتيك) بشروط مادية كما دافع عن أولوية المسألة أكثر من الفكرة. وبينما يرى هيغل أن «الروح» تقود التاريخ، فإن ماركس يرى أن هذا أمر غامض لا حاجة له، كما أنه يحجب حقيقة الإنسانية وأفعالها المادية والتي تشكل العالم. وقد كتب أن الهيغلية قلبت حركة الواقعية رأساً على عقب. وأكد ماركس في أطروحتة الحادية عشرة ضد فويرباخ بأن «كل ما فعله الفلاسفة هو تفسير العالم بطرق مختلفة، لكن المهم هو تغييره»، ولذلك كرس نفسه محاولاً تغيير العالم.

التغيير الاجتماعي، في نظر ماركس، هو الصراع بين المصالح المتعارضة من قبل القوى الاقتصادية. وركز على عوامل أساسية في التغيير الاجتماعي مثل ملكية وسائل الإنتاج، أي الأراضي والموارد الطبيعية والتكنولوجيا المستخدمة لإنتاج السلع المادية، وعلى علاقات الإنتاج، أي العلاقات الاجتماعية التي يتشاركها الناس ليكتسبوا ويستخدموا وسائل الإنتاج. وقد فرق ماركس بين الأساس والبنية الفوقية. فالأساس (أو البنية التحتية) ترمز إلى النظام الاقتصادي، بينما البنية الفوقية ترمز إلى النظام السياسي والثقافي. واعتبر أن عدم التطابق بين البنية التحتية (الاقتصادية) والبنية الفوقية (الاجتماعية) هو سبب رئيسي للصراع والاضطراب الاجتماعي. وعلى الرغم من تأكيد ماركس على نقد الرأسمالية ومناقشة المجتمع الشيوعي الجديد الذي ينبغي ان يحل محلها، الا انه اعتبرها أفضل من سابقاتها (العبودية والاقطاعية).

واعتبر أن »تطور الصناعة الحديثة، أدى إلى سحب البساط من تحت قدمي الملكية البرجوازية التي كانت تنتج وتتملك المنتجات. لقد حفرت البرجوازية قبرها بنفسها حين تعالت على الجميع بصناعاتها. إن سقوطها وانتصار البروليتاريا على التساوي كان شيئاً لا مفر منه».

سعادة وماركس 

وعارض سعادة فرضية ماركس أن كل المجتمعات تتقدم خلال الصراع بين الطبقات الاجتماعية، ورفض بالتالي نموذج حرب الطبقات الذي ابتكره ماركس، ويقول: « مما لا شك فيه أنّ النظريات الاجتماعية الاقتصادية، من كارل ماركس وأنغلز إلى الاجتماعيين الاقتصاديين الجدد، قد ألقت نوراً قوياً على مشاكل المجتمع الإنساني الاقتصادية. ولكن الاشتراكية، لم تتمكن من حل القضايا الإنسانية الاجتماعية المعقدة. وعند هذه النقطة، يبتدئ عمل الدماغ السوري، الغني بالخصائص النفسية، ومن هذه النقطة، تبتدئ الفلسفة السورية القومية الاجتماعية، التي تقدّم نظرات جديدة في الاجتماع، بأشكاله النفسية والاقتصادية والسياسية، جميعها، وهو بحث واسع نود أن ينفسح لنا المجال لنعود إليه، ونكشف عن أهمية التفكير القومي الاجتماعي، الذي يقدّم النظرة الجامعة للمذاهب الإنسانية الجديدة المتنافرة.» (مقال العقيدة السورية القومية الاجتماعية وبحث الديموقراطيين عن عقيدة ـ جريدة الزوبعة، بيونس آيرس، العدد 46، 15/6/1942)

ونقض سعادة إعادة كتابة ماركس للجدلية الهيغلية بشروط مادية بحتة. ففي حين كان هيغل يقول أن «الروح» تقود التاريخ، رأى ماركس أن هذا أمر غامض لا حاجة له، كما أنه يحجب حقيقة الإنسانية وأفعالها المادية والتي تشكل العالم، وأن الهيغلية قلبت حركة الواقعية رأساً على عقب. أما سعادة فقد انتقد الفلسفات الجزئية «الروحية» التي جاء بها هيغل و«المادية» التي قال بها ماركس، وطرح فلسفته المادية-الروحية كبديل عنهما، حيث قال: «إنّ العالم الذي أدرك الآن، بعد الحرب العالمية الأخيرة، مبلغ الهلاك الذي جلبه عليه قيام الفلسفات الجزئية الخصوصية ـ الفلسفات الأنانية التي تريد أن تحيا بالتخريب ـ فلسفة الرأسمالية الخانقة وفلسفة الماركسية الجامحة، التي انتهت في الأخير بالاتحاد مع صنوها المادية الرأسمالية بقصد نفي الروح من العالم، وفلسفة الروح الفاشستية وصنوها الاشتراكية القومية المحتكرة الروح، الرامية إلى السيطرة به سيطرة مطلقة على أمم العالم وشؤونها ـ هذا العالم يحتاج اليوم إلى فلسفة جديدة تنقذه من تخبط هذه الفلسفات وضلالها. وهذه الفلسفة الجديدة التي يحتاج إليها العالم ـ فلسفة التفاعل الموحَّد الجامع لقوى الإنسانية ـ هي الفلسفة التي تقدمها نهضتكم».

نيتشه (1844-1900)


شدد نيتشه على التأثير الذي يمكن لبعض الأفراد، المتميزين بقدراتهم العقلية، وإرادتهم، وحبهم للسيطرة، أن يمارسوه على مجرى تاريخ الشعوب. وبنظره، فإن الإنسانية تقسم إلى نوعين من الاعراق: العليا والدنيا. فالاعراق المتفوقة هي سبب ومبعث الحضارة، ولذا لها الحق في السيطرة، في حين أن على الاعراق الاخرى الخضوع لها.

في كتاب هكذا تكلم زرادشت، المنشور في عام 1892، يستعرض نيتشه أفكاره عن الانسان الخارق الذي يجب أن يكون متحرراً من كل الكوابح الاخلاقية التي تعيق مهمته التاريخية، ويقترح علينا عبادة القوة. كما يندد بالقوانين الموجودة التي تحد من نمو وقوة الرجال الخارقين باعتبار أنها تقوم على مساواة وهمية مناقضة للطبيعية الانسانية.

ومن الواضح بأن مثل هذه الافكار عن اللامساواة العضوية كانت في أساس المواقف العنصرية التي تميزت بها النازية. إلا أن ما يجب التوقف عنده أيضاً هو الدور الذي لعبته هذه الأفكار في تحريك المشاعر القومية حيث استخدمها كل من بسمارك في ألمانيا، وماتزيني في إيطاليا، لتحقيق وحدة بلادهما.

 سعادة ونيتشه 

برغم إعطاء سعادة أهمية عالية للشعوب ذات الثقافة العالية ودورها في ترقية الإنسانية، فإنه يختلف مع نيتشه حول نظرته لتقسيم الإنسانية إلى نوعين من الاعراق: العليا والدنيا. اعراق عليا متفوقة هي سبب ومبعث الحضارة، ولذا لها الحق في السيطرة، واعراق دنيا تخضع لها. فسعادة لم يسلم بوجود أمم ذات أعراق صافية متفوقة، بل تحدث عن مزيج سلالي في الأمم.

 جيوفاني جنتلي (1875-1944) 

مفكر ايطالي فاشي نظّر لدولة موسوليني. يدعو الى نظام اجتماعي سياسي، شمولي. وهو فيلسوف هيغلي، يؤمن بان للتاريخ غاية، والدولة القومية تمثل تجسيدا أرقى لهذه الغاية، وهي بالأساس نزعة فلسفية هيغلية لكن دون المعايير الليبرالية لهيغل، وفي فعلها السياسي دمج لمفاصل الدولة وسلطاتها والغاء لكل فعل خارج ارادة هذه الدولة. وهو يقول ان هذا النزوع الشمولي يهدف الى ازالة الخط التقليدي الفاصل بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني، أي بين الدولة كنظام حكم والمجتمع كمجتمع. فالفاشية تكره مثل هذا الفصل الليبرالي، مثلما تكره فصل السلطات، وتسعى الى نظام احادي، واتحاد كلي بين الدولة والمؤسسات الاجتماعية المستقلة والمجالات الخاصة.

ويرى جنتلي ان الدولة الشمولية هي النظام السياسي-الاجتماعي الأمثل للتعبير عن الذات القومية الإيطالية. ويعرف الدولة الشمولية بأنها الدولة التي تقف فوق الأمة؛ تستوعب الأفراد، وتسيطر على المجتمع، وتتوسع إلى ما وراء الحدود. وهي تُخضع الجميع لها وتحت إرادتها. وشكلت أفكار جنتلي اساساً صلباً للفاشية الإيطالية، التي قامت على رفض الفلسفتين المناوئتين:

أولا، رفض الليبرالية التي تمنع مؤسسات الدولة من التدخل في حياة الأفراد، وذلك من خلال التأكيد في المقابل على قوة الدولة وشمولها ورفض الطريقة الليبرالية في الفصل بين السلطات وتوزيعها؛

وثانيًا، رفض الماركسية التي تقسّم الأمة إلى طبقات، من خلال التأكيد في المقابل على تماسك الأمة الجماعي والنقابي، أي أن المجتمع بكامله يتشارك في جماعات نقابية متلاحمة.

وأخيرًا، تدخل فاشية جنتلي في عداء مع باقي الدول التي تتضارب مصالحها مع المصالح الإيطالية وترفض الالتزام بمعايير النظام والقانون الدولي، نظرًا لإيمانها بالنزعة التوسعية الإيطالية.

 سعادة وجنتلي

والتقى سعادة الى حد معين مع جنتلي، منظر الفاشستية الإيطالية الذي سوق لدولة موسيليني، في الدعوة الى نظام اجتماعي سياسي، شمولي. وفي أن الدولة القومية تمثل تجسيدا أرقى لغاية الشعب، وفي رؤيته لدمج مفاصل الدولة وسلطاتها والغاء لكل فعل خارج ارادة هذه الدولة، وفي ازالة الخط التقليدي الفاصل بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني، أي بين الدولة كنظام حكم والمجتمع كمجتمع، ونبذ فصل السلطات، والسعي الى نظام احادي، واتحاد كلي بين الدولة والمؤسسات الاجتماعية المستقلة والمجالات الخاصة.

وبرغم توافق نظرته الى الدولة الشمولية مع نظرة جنتلي، فإن سعادة كان ضد نظرة جنتلي التوسعية إلى ما وراء الحدود، ولم يشدد مثله على أن الدولة يجب أن تُخضع الجميع لها وتمارس الإكراه الذي يعتبره جنتلي ضروريًا وجوهريًا

والتقى سعادة مع جنتلي في رفض الليبرالية التي تمنع مؤسسات الدولة من التدخل في حياة الأفراد، وأيد تشكيل نظام واحد موحد. كما التقى معه في رفض الماركسية التي تقسّم الأمة إلى طبقات، وأكد مثله على تماسك الأمة الجماعي والنقابي، أي أن المجتمع بكامله يتشارك في جماعات نقابية متلاحمة.

ويقول سعادة في هذا السياق: «مما لا شك فيه أنّ موسوليني رفع المعنويات الإيطالية، ومنزلة إيطالية الإنترناسيونية وأنقذها من الأعمال الفوضوية وتمكن من توجيه السياسة الإيطالية الداخلية نحو ما هو أحسن وأفضل. ولكنه تهوّر في مطامحه وكلّف إيطالية حمل عبء لا قبل لها به. فمع كل التحسين الذي أوجدته الفاشستية في إيطالية لم تبرهن إيطالية في هذه الحرب أنها قادرة على القيام بالدور الذي أراده لها موسوليني. فانكسار الجيش الإيطالي الأول على الحدود المصرية واندحار المارشال قرتساني أمام قوات ويبل وبانكسار الجيوش الإيطالية في الصومال والحبشة واضطرار ألمانية لنجدة إيطالية في إفريقيا، واضطرارها لإنجادها ضد اليونان التي استظهرت جيوشها على جيوش إيطالية المهاجمة وردّتها وأخذت تضغطها في ألبانيا ــــ كل ذلك أوجد هوة سحيقة بين مرامي موسوليني المتطرفة ومقدرة إيطالية. (مقال إعتزال موسوليني، الزوبعة، بيونس آيرس، العدد 64، 1/8/1943).