ابراهيم ناصرالدين

لم يكن المشهد مختلفا في لبنان في «اول شتوة»، «البهدلة» المعتادة للمواطنين على الطرقات تجددت كما في السنوات الماضية حيث تتفاجىء دولتنا واجهزتها دون سواها من دول العالم بحلول موسم الشتاء في موعده، فاجتاحت الامطار الغزيرة عددا من الطرقات التي تحولت الى برك وحول ومياه آسنة، وحوصر المواطنون في سياراتهم لساعات طويلة على الطرقات وخصوصا اوتوستراد بيروت الجنوب بعدما طافت الشوارع التي تفتقد للحد الادنى من البنية التحتية... في هذا الوقت يمر الوقت «ثقيلا» حتى موعد الاستشارات النيابية يوم الاثنين المقبل، وسط ارتفاع منسوب المخاوف حيال وصول «طبخة» سمير الخطيب الى «خواتيمها» السعيدة، في ظل سيناريوهات عديدة تضعها اكثر من جهة سياسية بعدما بدات التسريبات تتحدث عن «قطبة» «مخفية» لدى «بيت الوسط»، وعن محاولات مستجدة «لاقناع» الحريري بالعودة عن «الاعتذار»، وبروز الموافقة على «مضض» على هذا الترشيح من رئيس المجلس النيابي نبيه بري، وكذلك غياب اي جواب حاسم حول «خواتيم» هذه التسوية لدى مصادر قصر بعبدا، فيما تشير المعلومات «المسربة» عبر زوار السفارة الاميركية في بيروت الى وجود اقرار اميركي «بنجاة» حزب الله من نتائج الاحتجاجات الشعبية حتى الان، وخروجه من الازمة دون «اضرار» جسيمة... وتبقى الاسئلة مفتوحة حيال ما تبقى من فترة فاصلة مع «بدء» «اطلاق النار» المركز على «التسوية» الوزارية من قبل رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع وشخصيات سنية تواصل فتح «النار» على «الرئاسة الاولى»...؟

 اطالة مرحلة «التشويق»...؟ 

اذا لا يمكن لاحد الجزم بان المهندس سمير الخطيب، سيكون رئيس الحكومة المكلف يوم الاثنين المقبل، فكل القوى تتعامل بحذر شديد مع الامر، لان الايام الفاصلة يمكن ان تحمل مفاجآت عديدة يصعب التكهن بها، خصوصا ان الطرف الرئيسي في «التسوية» اي تيار المستقبل اختار اطالة مرحلة «التشويق» حتى الساعات القليلة التي تسبق الاستشارات النيابية بعدما تم ارجاء اجتماع «الكتلة الزرقاء» من يوم امس الى الاحد، وهذا يترك «باب التكهنات» مفتوحا على مصراعيه بعدما كان مرتقبا ان يخرج بيان واضح بعد اجتماع التكتل يتم تبني الخطيب كمرشح لرئاسة الحكومة...

 هل تؤجل «الاستشارات»..؟ 

وفي هذا السياق، تفيد مصادر سياسية مطلعة بأن خيار عودة الرئيس سعد الحريري عن عزوفه لا يزال ممكنا، حيث يتم العمل بعيدا عن الاضواء لاقناعه بتخفيف «شروطه» حيال تمسكه بحكومة تكنوقراط، عبر حل وسط يقضي بتخفيف عدد الوزراء السياسيين في الحكومة العتيدة، واذا لم يوافق الحريري، سيكون عليه تأمين العبور الامن للخطيب، لكن اذا اكتفى بتسميته ورفض المشاركة في الحكومة، بوزراء تكنوقراط او بسياسيين، فثمة صعوبة كبيرة حينها بالسير بالخطيب الذي قد يعلن بنفسه الاعتذار عن المهمة وهذا ما قد يؤدي الى إرجاء موعد الاستشارات النيابية...

اما الكلام عن تسمية الرئيس الحريري الاثنين، من دون اي اتفاق مسبق معه، فليس واردا برأي تلك الاوساط، لان الرئاسة الاولى لا ترغب بازمة مفتوحة يكون «مفتاحها» في «جيب» الرئيس المكلف الذي يمكن ان يرهن البلاد لوقت طويل، وهو امر لا يمكن ان يكون مقبولا في ظل الاوضاع المتردية اقتصاديا في البلاد...

 بري غير راض عن الخطيب..! 

وفي سياق متصل، نقل زوار رئيس مجلس النواب نبيه بري عنه عدم «حماسته» لوصول سمير الخطيب الى رئاسة الحكومة، طبعا لا مشكلة شخصية معه، لكن لا يعتبره مؤهلا «ليقود» «السفينة» في هذه المرحلة،وهو غير «مقتنع به» معتبرا ان ارتفاع حظوظه جاء بعد «التسويق» الجيد لشخصه من قبل بعض «الجهات»... وعندما سئل عن اسباب موافقته على ترشيحه، رد قائلا «الله يسامح الحريري... هل ترك لنا اي خيارات اخرى؟ البلد «يغرق» وعلينا تشكيل حكومة البارحة قبل اليوم...» لكن الحذر مطلوب «وما نقول فول لا يصير بالمكيول»..

من جهتها اكدت اوساط مقربة من «الثنائي الشيعي» ان احدا لا يضمن ما سيحصل الاثنين على الرغم من ان الاتفاق على المهندس الخطيب بات «شبه نهائي»، لكن يبقى انتظار الايام المقبلة «ليبنى على الشيء مقتضاه».

 «رسائل» امنية «حاسمة» 

في هذا الوقت، وفي ظل الدعوات التي بدأت تتحدث عن تحركات تصعيدية في الساعات المقبلة لمنع وصول النواب الى بعبدا الاثنين لمنع الاستشارات النيابية، ورفضا لتأليف حكومة « الصفقات والمحاصصة»، والمطالبة بحكومة «تكنوقراط»، اكدت اوساط وزارية ان هذه الدعوات كانت خلال الساعات القليلة الماضية موضع تقويم سياسي-امني، لكي لا يتكرر المشهد الذي حصل في ساحة النجمة عندما جرى تعطيل الجلسة التشريعية، وقد سمعت الاطراف المعنية من القيادات الامنية وجود توجيهات «صارمة» حيال عدم السماح بمنع النواب من الوصول الى قصر بعبدا، وبات واضحا ان لدى قيادة الجيش الخطط الجاهزة للتعامل مع الموقف ومنع قطع اي طريق لتسهيل حصول الاستشارات دون اي عوائق على الارض...

 اجواء تفاؤلية..؟ 

في المقابل تشير اوساط سياسية مواكبة للاتصالات الحكومية الى ان العقبة الاساسية امام تشكيل الحكومة اُزيلت بعدما اعلن الرئيس الحريري تأييده للخطيب، واذا ما ظل على التزامه ستمر الامور «بسلاسة»، خصوصا ان الاشارات الواردة من الخارج تفيد بان الثلاثي الاميركي والفرنسي البريطاني لا يعارضون وصوله الى السراي الكبير، واذا ما تم تمرير قطوع التكليف فان مرحلة التشكيل لن تكون طويلة، لان الخارج لا يريد انهيار لبنان ووضع البلد الاقتصادي والمالي لم يعد يحتمل «ترف» الانتظار والمماطلة..؟ وقد ابلغت باريس الجهات المعنية في لبنان انها ترغب في تأليف حكومة ترضي الشعب وتوحي بالثقة للخارج وتعمل على وضع الاصلاحات المطلوبة موضع التنفيذ، لتحظى بالدعم المطلوب عبر اطلاق مؤتمر «سيدر»، وكذلك عقد اجتماع دول مجموعة الدعم الدولية للبنان على مستوى السفراء والمدراء، برئاسة وزير الخارجية الفرنسي جان-ايف لودريان، منتصف الشهر الجاري حيث سيكون منصة لتجديد الدعم الدولي للبنان.

 السفارة الاميركية وحزب الله... 

في هذا الوقت، تحدث زوار السفارة الاميركية في بيروت عن تقويم عام «سلبي» لتأثير «الثورة» في الشارع اللبناني على حزب الله، ووفقا لهؤلاء فان «الارباك» الذي لاحظه فريق العمل الدبلوماسي الذي يترأسه موظف برتبة «سكرتير اول» في السفارة، تلاشى بعد نحو اسبوعين من التحركات الشعبية حيث تم ملاحظة استعادة حزب الله «واجهزته» لزمام المبادرة الميدانية، ووفقا للتقرير المرفوع من قبل فريق يتألف من 4 افراد مكلف برفع استنتاجاته الى السفيرة اليزابيت ريتشارد بعدما يجري مراجعة كافة التقارير الميدانية المستقاة عبر «عملاء» ميدانيين، فان الحزب نجح في استعادة التوازن للخطاب السياسي الذي بات اكثر «تماسكا»، خصوصا بعدما نجح في «امتصاص» «صدمة» الاستقالة غير المنسقة لرئيس الحكومة سعد الحريري، كما نجح في «فرملة» اندفاعة خصومه السياسيين في الذهاب الى تشكيل حكومة «تكنوقراط»، ونجح ايضا في «فرملة» اندفاعة الرئيس ميشال عون في تحديد موعد للاستشارات النيابية قبل حصول توافق مسبق على «سيناريو» «اليوم التالي»... ووفقا للخلاصات الاميركية يكمن النجاح الاكثر اهمية في عملية الضغط المتواصلة علنا وفي «الكواليس» والتي ادت الى خروج تصريح علني من قائد الجيش العماد جوزاف عون في منع قطع الطرقات الرئيسية في البلاد، وهو اكثر العناصر «الضاغطة» على الحزب من وجهة نظر الاميركيين، وقد نجح في تجاوزها ميدانيا بابعاد انصاره ومحازبيه عن المواجهات «غير المحسوبة» على الارض، وفي المقابل طبق «سيناريوهات» مواجهة محسوبة لم يسقط خلالها اي ضحايا، لكنه اراد اظهار امكاناته الكامنة دون ترك اي «آثار» واضحة في «ساحة الجريمة» تثبت انه ضالع على نحو رسمي في تلك المواجهات...

حزب الله لم «يتضرر»... 

ووفقا لتلك الشخصيات المقربة من السفارة الاميركية، فان الخلاصات تفيد بان حزب الله لم يتضرر لانه لا يزال مؤثرا في المنظومة السياسية اللبنانية، ويعترف الاميركيون ان «الشعارات» التي استهدفت سلاح حزب الله وامينه العام السيد حسن نصرالله كانت «خافتة»، ولم تكن مؤثرة، فيما يواصل الحزب تطوير قدراته العسكرية بعيدا عن «الاعين ولم يتأثر قراره بالنسبة لاستخدام القوة، لان ملف الاستراتيجية الدفاعية لم يعد اولوية عند احد في لبنان في ظل الاوضاع الاقتصادية الخانقة، فيما ثبت ان الحزب يدير بنجاح منظومة اقتصادية اجتماعية «موازية» للمنظومة السائدة في البلاد، ما يجعل احتمال حصول «انتفاضة» في «بيئته الحاضنة» ضئيل للغاية...

 ابعاد اسرائيل عن «التدخل»... 

ووفقا لهذا التقويم الاميركي، لا يوجد مصلحة للولايات المتحدة بابراز تدخلها في الازمة خصوصا مع تنامي الشعور في «الشارع» بان الازمة الاقتصادية الخانقة التي يتحمل مسؤوليتها طبقة سياسية «فاسدة»، زاد من حدتها توسيع ادارة الرئيس ترامب لعقوباتها على حزب الله لتشمل النظام المالي اللبناني، وهذا يؤدي الى تزايد «النقمة» على السياسات الاميركية، كما تشير تلك «التوصيات» الى ضرورة عدم دخول اسرائيل على «الخط» وعدم «استدراج» حزب الله الى «الحدود الشمالية» كي لا يستغل الظروف القائمة داخليا «لتنفيس» الاحتقان الداخلي بخطوات عسكرية على الحدود تساهم في تحويل الانظار عن الانشغالات الداخلية بالازمة... وكان لافتا حديث الاميركيين عن تدخل حصل على اعلى المستويات لوقف حصول اي تصعيد في 31 تشرين الاول عندما استهدف حزب الله طائرة مسيرة إسرائيلية «بصاروخ» «نوعي» ترى فيه اسرائيل تجاوزا «لخطوطها الحمراء»..!

 اتهامات لايران...

وفي تكرار للمواقف الاميركية الهادفة الى «شيطنة» الدور الايراني، حمل نائب وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى، جوي هود إيران مسؤولية الازمة في لبنان والعراق، وقال خلال جلسة للجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ انه على غرار تدخلها في السياسات الداخلية العراقية، تتدخل في السياسة في لبنان، داعيا سياسيي لبنان إلى استيعاب رسالة الشارع. وأوضح هود، أنّ إدارة الرئيس دونالد ترامب لم تعلق المساعدات التي أقرها الكونغرس للبنان. وقال أن «إيران سببت مشاكل ليس فقط في السياسات الداخلية في العراق وإنما في لبنان أيضًا، فدعمها لحزب الله جعل هذه المجموعة تضع مصالحها فوق مصالح البلاد..! وأكد، أن لبنان «قادر على أداء اقتصادي أفضل بكثير، مشيرا الى ان»الحكومة اللبنانية لا توفر للمواطنين الخدمات التي يحتاجون إليها، وعن المساعدات الدولية المخصصة للبنان، قال الدبلوماسي الأميركي، ان «هناك أكثر من 11 مليار دولار تنتظر، ولكن لا توجد حكومة غربية مستعدة لإنقاذ لبنان إذا لم يستوعب السياسيون رسالة الشارع».

 عون يحدد الاولويات.. 

وفي غياب الاتصالات السياسية العلنية، أكد رئيس الجمهورية العماد ميشال عون ان اولويات الحكومة العتيدة ستكون تحقيق الاصلاحات الضرورية في مختلف القطاعات واستكمال عملية مكافحة الفساد وتصحيح الاعوجاج والخلل في عمل ادارات الدولة ومؤسساتها...معربا امام نقابة المهن الحرة عن امله في ان تتشكل الحكومة في اسرع وقت ممكن لتبدأ في معالجة المشاكل التي تحتاج عناية واهتماما سريعين، لا سيما منها عودة الثقة بين الدولة والمواطنين تعزيزا للوحدة الوطنية التي تبقى الاساس في قيام الدولة من كبوتها. 

المشنوق على «الخط»

من جهته دخل النائب نهاد المشنوق على خط التجاذبات مع القصر الرئاسي وقال بعد زيارته المفتي عبداللطيف دريان انه «رغم كل المبررات التي أعطيت عن التكليف قبل التأليف الا ان هذا يعتبر مخالفة للدستور، لافتا الى أن الامور تجاوزت مسألة صلاحيات رئاسة الحكومة لتصل الى الكرامات». ورأى المشنوق، أن المطلوب حكومة مصالحة «أي المصالحة مع الناس ومع العرب والغرب لأن الحصار سببه وجود مشكلة أو صدام أميركي ايراني في المنطقة».

 جعجع «يطلق النار» على الحكومة... 

وفي موقف يشير الى احتمال حصول تصعيد في «الشارع» «نعى» رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع مسبقا الحكومة المرتقبة قبل «ولادتها»، وفي «اطلاق نار» «سياسي مباشر «قال أنه منذ اللحظة الأولى وجماعة السلطة تحاول الالتفاف والتذاكي على الناس، وهي تحضر لتركيب حكومة، أوّلاً قسم منها فقط اختصاصيون، والباقي سياسيون، وثانياً حتّى الإختصاصيون فيها لن يكونوا مستقلّين بل مجرّد مستشارين تقنيين للمجموعة الحاكمة نفسها، بمعنى أنّ قرارهم الفعلي سيكون عند نفس المجموعة التي كانت هي في أصل خراب البلاد». واعتبر في كلمة له بعد اجتماع تكتل الجمهورية القوية في معراب أن «الحكومة التكنوسياسية التي تطرحها قوى السلطة اليوم ما هي الا حكومة لون واحد، لأن الاختصاصيين فيها هم مجرد ديكور للقوى السياسية ذاتها التي تعمل وفق خلفيات سياسية ومصلحية وفئوية والتي افقدت لبنان ثقة الناس به داخلياً وخارجياً».