من وحي عيد التأسيس ــ 16 تشرين الثاني 2019

عرّفت السياسة بأنها فنُّ تدبير الشَّأن العام والسعيُّ وراء مصلحة الأفراد والشعب، وعرفها سعادة بأنها «فنّ تحقيق الأغراض القومية»، هدفُها تنظيمُ المُجتمع نحو الأفضل وتحقيق العدالة.

وتطور مفهوم السياسة مع مرورِ الزمن. فقبل نيقولا مكيافيلي، كانت السياسة تدبَّرُ من وجهة نظرٍ أخلاقيّة (أفلاطون، أرسطو). وبعد فترة مكيافيلي الذي قلبَ التفكير السياسي برمَّته، تمَّ قطعُ الصلة مع الأخلاق في السياسة، وأصبح الفكر السياسي يدارُ بذكاءٍ كبير ودهاء وخبث، وبشكل يعودُ بالنَّفع على الحاكم من أجل الحفاظ على السلطة.

وقد تطور الفكر السياسي والاجتماعي في أوروبا في القرون الماضية بشكل مطرد، أسس لظهور المفاهيم المعاصرة. نستعرض في هذا البحث أهم ما قدمه رواد الفكر الأوروبي، ومن ثم نجري مقارنة بين سعادة وكل منهم، في معرض تشكيله لأساسات فكره ونظرته الخاصة المميزة.

بقلم د. ميلاد السبعلي

أنطون سعادة (1904-1949)

والفكر الأوروبي

كان أنطون سعادة مطلعاً على تطور الفكر الأوروبي وإنتاج معظم مفكريه، وقد استشهد بعدد كبير منهم في كتابه نشوء الأمم (1936). وقبل استعراض نقاط الالتقاء والتعارض بينه وبينهم، لا بد من القاء الضوء على منهجه الخاص المتميز، المنفتح على العالم وبنفس الوقت الفريد والمتميز بصياغة نظرة خاصة به للكون الفلسفة والحياة.

ففي خطابه المنهاجي في اول حزيران سنة 1935 يقول عن الحزب السوري القومي الاجتماعي: «إنه فكرة وحركة تتناولان حياة أمة بأسرها ، إنه تجديد أمة توهم المتوهمون انها قضت الى الأبد ، لأن العوامل العديدة التي عملت على قتل روحيتها القومية كانت أعظم كثيرا من ان تتحمل امة عادية نتائجها ويبقى لها كيان أو امل بكيان، انه نهضة أمة غير عادية ـ أمة ممتازة بمواهبها، متفوقة بمقدرتها، غنية بخصائصها ـ أمة لا ترضى القبر مكاناً لها تحت الشمس».

وفي كتابه «الصراع الفكري في الأدب السوري» يحدد للنهضة سعيها الدائم الى: «طلب الحقيقة الأساسية الكبرى لحياةٍ أجود، في عالمٍ أجمل، وقيَم أعلى. لا فرق أن تكون هذه الحقيقة ابتكاركَ أو ابتكاري أو ابتكار غيركَ أو غيري، ولا فرق أن يكون بزوغ هذه الحقيقة من شخصٍ وجيهٍ اجتماعياً ذي مالٍ ونفوذ، وأن يكون انبثاقها من فردٍ هو واحدٌ من الناس، لأن الغرض يجب أن يكون الحقيقة الأساسية المذكورة وليس الاتجاه السلبي الذي تقرره الرغائب الفردية، الخصوصية، الاستبدادية».

وفي رسالته الى الدكتور شارل مالك في 10 أيار سنة 1938 يقول: إذا كان معنى الفلسفة الفلاسفة أنفسهم، كما تقول، فأشد حاجة شعبنا إلى هذا المعنى. إن الإدراك العادي سيظل إدراكاً عادياً، مهما تثقف وارتقى، والفلسفة تظل فلسفة، والعالم لا يحتاج فقط إلى الفلسفة، بل يحتاج الى الإدراك العادي أيضاً، لأنه حيث يوجد معط يجب أن يكون هنالك متسلم يقبل.

وإنه من الحسن أن يفكر الإدراك العادي بديمكريطس وسقراط وأفلاطون وأرسطو واغسطين وزينون ونيتشه. ولكني حين أفكر أنا في الفلسفة لا أفكر بهذه الأسماء، بل في الحقائق الأساسية والمرامي النفسية الأخيرة عينها التي فكر فيها هؤلاء الفلاسفة.

وأعتقد أنك أنت أيضاً ستظل تحدق، من خلال هذه الأسماء، في الحقائق النفسية الأخيرة، حتى تغيب من أمام باصرتك هذه الأسماء، وتغوص على هذه الحقائق والمرامي في أعماق نفسك وتحسّ تياراتها الخفية الجارية من تحت الطبقات التاريخية المطبقة عليها، فتكتشف نفسك ـ نفسيتك الأصلية بكل جمالها وكل قوتها ـ فتخرج فيلسوفاً لا ناقل فلسفة، وحينئذ تجد الحلقة المفقودة بين الفلسفة والإدراك العادي وتدرك الرابطة بين الفيلسوف وأمته، وبين حيوية أمته وقبول الشعوب القريبة منه.، حينئذ لا تعود بك حاجة لمناداة الشرق الأدنى أو العالم العربي لأن فلسفتك، فلسفة أمتك، تكون قد أصبحت فاعلة.

وفي المحاضرة الاولى بتاريخ 7 كانون الثاني 1948 يقول: «أما التكلّم المبعثر على فولتار وموليار ولنكلن وهيقل ووليام جايمس وكانت وشوبنهور... الخ. وعلى مختلف المدارس الفكرية، بدون أن يكون لنا رأي وموقف واضح في تلك الأفكار وأولئك المفكرين، فلا يعني أن لنا نهضة. إن ذلك لا يعني الا بلبلة وزيادة تخبط. إن الفكر البعيد عن هذه القضايا هو أفضل من الفكر المضطرب المتراوح الذي لا يقدر ان ينحاز او أن يتجه، لأنه متخبط وليس له نظرة أصلية، ولا يدرك ماذا يريد».

«الفكر المضطرب الذي يبتدئ بالتأثر بأحد المفكرين ثم ينتقل الى آخر يحصر نفسه ضمن نطاق بعض الافكار ولا يعود يخرج. ويبدأ بمناقضة كل من له رأي آخر فتنشأ حالة الفسيفساء التي تتقارب قطعها ولكنها لا تتحد».

ويتابع: «إن النهضة لها مدلول واضح عندنا وهو، خروجنا من التخبط والبلبلة والتفسخ الروحي بين مختلف العقائد إلى عقيدة جلية صحيحة واضحة نشعر أنها تعبر عن جوهر نفسيتنا وشخصيتنا القومية الاجتماعية. إلى نظرة جلية، قوية، إلى الحياة والعالم».

بناء على هذا المنهج، يمكن قراءة التقاطعات والتباينات الفكرية بين سعادة ورواد الفكر الأوروبي، خاصة المذكورون أعلاه، كما يلي:

توماس هوبز (1588 ـ 1679)

يعدُّ الفيلسوف الإنكليزي هو المجدِّد الفِعلي للفلسفة السياسية الحديثة. ويوضِحُ أنَّ الدولة ككيان سياسي منظَّم هي نتاجُ توافقٍ بين مجموعة من الأفراد، تنشأ من أجل تحقيقُ الحماية والرضا للأفراد، والأمن والاستقرار وتنظيم المجتمع.

وهي تعاقدٌ اختياري يقومُ به النَّاس من أجلِ تشكيل نظام يُخرجهم من حالة الهمجية. وبموجب هذا التعاقد يتخلّى الافراد عن حقوقهم وحريَّاتهم لصالح الدولة، التي هي كيان موحّد للعقائد.

سعادة وهوبز

يلتقي سعادة مع هوبز الى حد بسيط في تحديد علاقة الفرد بالدولة، فبالرغم أن الفرد حقوقه مصانة من ضمن حقوق المجتمع، لا يذهب سعادة مذهب هوبز بالدعوة الى أن «يتخلّى الافراد عن حقوقهم وحريَّاتهم لصالح الدولة»، ويلتقي معه أن الدولة يجب أن تكون «كياناً موحّداً للعقائد».

جون لوك (1632 ـ 1704)

عاش لوك في فترة عرفت تطاحنًا كبيرًا بين الكاثوليك والبروتستانت، هذا التطاحن الديني خيَّمَ على فلسفته، فتصدَّى لسطوة التصور الديني السَّائد، وحاول جاهدًا، في كتابه «رسالة في التسامح»، الفصل بين سطوة الدين والسياسة. كما تصدى كذلك لتدخل رجال الدين في السياسة والشؤون الاجتماعية.

ودعا لصيانة الحقوق الطبيعية الثلاثة: المساواة، الحريّة، والمِلكية الخاصة. وهنا يختلف مع هوبز الذي لا يعترفُ بحرية الفرد. ويخضعُ تنظيم المُجتمع حسب لوك لثلاثة محدِّدات: سيادة الشعب، الاحتكام للأغلبية، والسلطة السياسية. وكان جون لوك هو أول من قام بفصِل السُّلطات الثلاثة:

- السلطة التشريعية: هي التي تشرِّعُ القوانين وتحافظ على الحقوق.

- السلطة القضائية: مُهمتها فضُّ النزاعات.

- السلطة التنفيذية: هي التي تُنفِّذ القوانين الصادرة.

سعادة وجون لوك

ويلتقي مع جون لوك الى حد كبير في دعوته الى الفصل بين الدين والسياسة ومنع رجال الدين من «التدخل في السياسة والشؤون الاجتماعية».

مونتسكيو (1689-1755)

ادعى مونتسكيو أن على كل نظام حكم أن يصبو إلى ضمان حرية الإنسان ومن أجل ذلك يجب الفصل بين السلطات والحفاظ على توازن بينها، أي: السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، والسلطة القضائية.

ويعتقد أنه عندما تفصل السلطات الثلاث، ويراقب كل منها السلطتين الأخريين، تتحقق حرية المواطن، وتلتئم مع عدالة الحكومة. هذه الأفكار نجد جذورها عند هارنجتون والجرنو وسيدني وجون لوك.

ويدعو إلى إقامة نظام سياسي ليبرالي جداً: أي منفتح على روح العلم والعقل وبعيد عن التعصب والاستبداد بقدر الإمكان. كان كارهاً للتعصب والأصولية التي اعتبرها زائلة حكماً في أوروبا، ومقدساً للعقل والفضيلة ومن أكبر دعاة الحرية والتسامح والاعتدال والحكومة الدستورية. ويرى أن نظم الحكم والقوانين تختلف من مجتمع إلى مجتمع باختلاف المناخ والعادات والتقاليد والنظم الاقتصادية والأديان ومفهوم الحرية. ويعد واحداً من مؤسسي نظرية الحتمية الجغرافية بعد ابن خلدون.

كان مونتسكيو معجباً بمذهب الرواقيين، ويعتبر القضاء على مذهبهم محنة ابتلي بها الجنس البشري. لأن هذا المذهب وحده، هو الذي صنع الموطنين وعظماء الرجال. الحرية عند مونتسكيو حق لكل إنسان، طالما كانت في ظل القانون. وكان يستنكر الرق لأسباب أخلاقية.

وقد حصلت نظرية مونتسكيو على العديد من المؤيدين في أوروبا وأثرت مبادئها في دستور الولايات المتحدة الأمريكية، وإعلان حقوق الإنسان والمواطن، وعلى دساتير العديد من الأنظمة الديموقراطية في عصرنا. ومع ذلك فقد كان مونتسكيو يعتقد بعدم جواز الانتقال بين طبقات المجتمع المختلفة ولم ير أنّ عامة الشعب يستحقون أن يحكموا.

سعادة ومونتسكيو

ولم يذهب سعادة مذهب مونتسكيو بفصل السلطات وتوازنها، بل اعتمد النظام المركزي التسلسلي الذي كان فردياً بوجوده لمنع المماحكات والمعارضة العلنية، وركز على توزيع السلطات بعد حصول مانع طبيعي لممارسة الزعيم لمهامه، كما سنفصل في الفصول التالية. بينما تبنت القيادات التي تولت المسؤولية بعد سعادة نظرية مونتسكيو المتناقضة في الجوهر مع فكر سعادة الدستوري، كون معظم الحقوقيين الحزبيين كانوا من خريجي المدارس الغربية التي تعتبر نظرية مونتسكيو وتعديلاتها الليبرالية هي الأمثل والأفضل.

في المقابل، التقى سعادة مع مونتسكيو على الانفتاح على روح العلم والعقل ونبذ التعصب والاستبداد. كما وافقه أن «نظم الحكم والقوانين تختلف من مجتمع إلى مجتمع باختلاف المناخ والعادات والتقاليد والنظم الاقتصادية والأديان ومفهوم الحرية». وكان مثل مونتسكيو معجباً بمذهب الرواقيين.

فولتير (1694 ـ 1778)

هو كاتب وفيلسوف فرنسي عـاش خلال عصر التنوير. عُرف بنقده الساخر، وذاع صيته بسبب سخريته الفلسفية الطريفة ودفاعه عن الحريات المدنية خاصة حرية العقيدة والمساواة وكرامة الإنسان. وكان مدافعاً صريحاً عن الإصلاح الاجتماعي على الرغم من وجود قوانين الرقابة الصارمة والعقوبات القاسية التي كان يتم تطبيقها على كل من يقوم بخرق هذه القوانين، وعرف بدفاعه عمن يتعرضون للاضطهاد دون وجه حق. كان كل تركيز فولتير ينصب على فكرة أن الكون قائم على العقل واحترام الطبيعة. وانتقد التعصب والأديان المنشأة والكنيسة الكاثوليكية. وجاهر بإيمانه بوجوب فصل الكنيسة عن الدولة.

سعادة وفولتير

والتقى سعادة مع فولتير على أهمية العقل، حيث اعتبر فولتير أن الكون قائم على العقل، واعتبر سعادة أن العقل هو الشرع الأعلى. كما التقى معه على ضرورة فصل الدين والدولة.

جان جاك روسو (1712 - 1788)

هو فيلسوف وكاتب ومحلل سياسي سويسري أثرت أفكاره السياسية في الثورة الفرنسية وفي تطوير الاشتراكية ونمو القومية. ومن أهم مؤلفاته كتاب «العقد الاجتماعي».

وقد آمن روسو بان المؤسسات الحكومية تُدمر حياة الإنسان، وبأن الجنس البشري سينحط مع مرور الزمن إذا لم يرجع الناس الى الطبيعة ويطبقون أسسها على نظم الحياة الاجتماعية. وهو كذلك يؤمن بان فضائل الإنسان العادي تميزه على الطبقات العليا التي أفسدها الثراء البالغ والترف المدقع.

وأتاح تمجيد روسو للوجدان تحرراً للغرائز المكبوتة، والعاطفة المكظومة، والأفراد والطبقات المظلومة. ولا يعني هذا أن روسو رفض العقل، فهو على العكس وصفه بأنه عطية إلهية، وقبله حكماً نهائياً، ولكنه أحس أن نوره البارد في حاجة إلى دفء القلب ليلهم العمل والعظمة والفضيلة.

وانتقد عجز العقل في زعمه عن تعليم الفضيلة للناس. فالعقل يبدو أنه بغير حس أخلاقي، وهو يناضل للدفاع عن أي رغبة مهما كانت فاسدة إذن فالحاجة إلى شيء آخر- إلى وعي فطري بالصواب والخطأ، حتى هذا الوعي لا بد من أن يدفئه الوجدان إن أريد منه أن يولد الفضيلة، وأن ينجب رجلاً فاضلاً لا آلة حسابية ماهرة. وحاول بالنتيجة الجمع بين العقل والرُّوح والجسد.

كان لروسو قراء من الطبقتين الوسطى والدنيا أكثر بكثير مما لفولتير. فهو وحده الذي لقح الفرنسيين بعقيدة سيادة الشعب... وكان كتابه «العقد الاجتماعي» يقرأ ويعلق عليه في الشوارع العامة، فيقابله السامعون المتحمسون بالتصفيق. وقد استشهد الخطباء في طول فرنسا وعرضها بأقوال روسو في التبشير بسيادة الشعب؛ وبعض الفضل في استطاعة الثورة أن تعيش عقداً من الزمان رغم خصومها وشططها راجع إلى الترحيب العارم الذي لقيته هذه العقيدة.

فهو لم يخاطب المثقفين والكبار فقط بالمنطق والحجة، بل تكلم إلى الشعب كله بشعور وحماسة في لغة يستطيعون فهمها، وكانت حرارة بيانه، في السياسة كما في الأدب، أقوى من سلطان قلم فولتير.

أكد روسو أنَّه يجبُ علينا الجمعُ بين الحرية والمساواة، إلاَّ أن هذين المفهومين متضادان في الفلسفة السياسية، فالحرية هي أنْ تتركَ الإنسان يفعلُ ما يشاء، والمساواة تهمُّ الجماعة. كما عارض روسو ممارسة النّاس للسّيادة من خلال جمعيّة تمثيليّة أو وكلاء، وهاجم الملكيّة الخاصّة بشكل كبير، وكان يرى أنّ من أهداف الحكومة ضرورة ضمان المساواة والحريات للنّاس جميعاً في الدولة بغض النّظر عن رأي وإرادة الأغلبيّة.

فالدولة هي تجلي الإرادة العامَّة ولا يمكنُ للدولة أن تكونَ متسلِّطة عند توظيفها للسلطة، وتسعى الإرادة العامة في الغالب إلى تحقيقِ المصلحة العامة، وهذا ما جعله يضحِّي بحرية الفرد، وبالتالي تصبح للإرادة العامة خاصيتان: تكونُ فوق الجميع - تكونُ ممثلة للجميع.

ودعا إلى نظام سياسي مبني على العقد الاجتماعي، حيث يتنازل الأفراد عن حريّاتهم ويتخلوا عن حقوقهم لصالح الإرادة العامَّة. ويربطُ هذا التنازل عن الحقوق بالاتحاد والوحدة، أي كلَّما تنازلت أكثر قويت الجماعة أكثر. لذلك يعتبر الكثير من الباحثين أن توماس هوبز وجان جاك روسو قد شكّكا بقيمة الحرية الفردية وقدَّما مبررات تشجع الحكم الشمولي.

سعادة وروسو

وذهب سعادة مذهب جان جاك روسو في التركيز على الوجدان، إضافة الى سيادة العقل، وتحدث كثيراً عن المواهب والإبداع، وربطها بالفضيلة من خلال ابتكار ما أسماه العقلية الأخلاقية الجديدة. وبناء على ذلك، حدد سعادة أن الأجيال الجديدة المتعلمة يجب أن تتمتع بمزيتي التخصص الفني والوجدان الاجتماعي. ومثل روسو، لم يخاطب سعادة «المثقفين والكبار فقط بالمنطق والحجة، بل تكلم إلى الشعب كله بشعور وحماسة في لغة يستطيعون فهمها»، فيها حرارة البيان، في السياسة والاجتماع والأدب.

والتقى سعادة مع روسو على التركيز على الإرادة العامَّة، التي تسعى في الغالب إلى تحقيقِ المصلحة العامة، وحدد حرية الفرد بهذه المصلحة. كما ركز على ضرورة ضمان تمثيل مؤسسات الدولة للإرادة العامة في المجتمع.

ويعتبر سعادة أن النّظرة الفردية للاجتماع الّتي يجدها الدّارس في «العقد الاجتماعي» لروسو هي مستمدّة من حالة المجتمع بعد ظهور الفرد عاملاً فيه، وقبل ذلك لا اختيار للفرد في الاجتماع والمجموع. ويعتبر سعادة أن الفرد مجرد إمكانية في المجتمع، حيث تزداد حيوية المجتمع مع قوة الابداع والخلق عند الأفراد من ضمن الإرادة العامة، لكنه في هذا الإطار الاجتماعي يعطي أهمية كبرى للحرية والصراع والتقدم، فيما يذهب روسو الى أن تنازل الأفراد عن حريّاتهم وحقوقهم لصالح الإرادة العامَّة يؤدي الى تقوية المجتمع. وشدد سعادة على أن الديموقراطية الحقيقة الفعالة يجب أن تعبر عن الإرادة العامة لا أن تمثلها فقط.

إيمانويل كانط (1724 ـ 1804)

فيلسوف ألماني وأحد رموز التنوير الكبار. ومن أشهر كتبه «الدين في حدود العقل فقط» (1793). كان متحمساً للثورة الفرنسية ومبادئها (الحرية والإخاء والمساواة) رغم أن حماسه قد فتر مع التحولات الدموية التي جرّت الثورة نفسها إليها وراحت تأكل بنيها. إلا أنه بقي وفيّاً للقيم التي كان مؤمنا بها مع فلاسفة الثورة فولتير وروسو وديدرو الذين كان متواصلا معهم بشكل كبير. وكتب عن الثورة قائلاً «مثل هذه الظاهرة لا يمكن أن تنسى، إذ هي كشفت في الطبيعة الإنسانية عن استعداد للعمل لما هو أفضل لأن هذا الحادث هو من العظمة ومن الارتباط الوثيق بمصالح الإنسانية ومن سعة التأثير في العالم بكل أجزائه، إلى حد أنه ينبغي أن تذكّر به الشعوب في الظروف المناسبة، وعند المحاولات الجديدة من هذا النوع». كان يرى الفصل الكامل بين الفلسفة والدين وبين العلم والدين ويرى أن المشكلات تظهر حين يحاول أحد منهم التدخل في الآخر وإخضاعه له، وأن قوانين ومبادئ العقل هي التي تكشف للإنسان ما يجب أن يؤمن به ويسلك بموجبه تجاه نفسه وتجاه الآخرين وتجاه الكائن الأسمى أيضا، مع الاحتفاظ الكامل بعقلانيته وحريته.

وكان كانط رافضاً بشكل كامل لسلطة رجال الدين.

سعادة وكانط

والتقى سعادة مع ايمانويل كانط على الفصل بين الفلسفة والدين وبين العلم والدين، ووافقه «أن قوانين ومبادئ العقل هي التي تكشف للإنسان ما يجب أن يؤمن به»، وعلى أفضلية العقل وحرية الاختيار في تعامل الفرد مع معتقداته الدينية. وفيما كان كانط رافضاً بشكل كامل لسلطة رجال الدين، دعا سعادة الى حصر سلطتهم في الشؤون الروحية والدينية ودعا الى منع تدخلهم في السياسة والقضاء.

فخته (1762 ـ 1814)

فيلسوف ألماني شهد نتائج الانتصارات العسكرية البونابرتية الاليمة على بلاده، وكان أول من حاول، في خطابه للامة الألمانية الصادر في عام 1808 التأكيد على بدء عصر جديد تكون السيطرة فيه للعلم العقلاني الذي يجب الاعداد له عن طريق اصلاح النظام التربوي. فالتربية، برأيه، هي القادرة على تحقيق حرية الامة الألمانية. وهذه الأمة لها مواصفات خاصة، ورسالة معينة تحملها للعالم أجمع. فهي أمة تتحدد بلغتها قبل كل شيء. وبمواصفاتها النوعية، وبقدراتها الروحية الكبرى التي يجب أن تستجمعها إذا ما أرادت تحمل مسؤوليتها التاريخية في تمدين العالم وتحضيره.

وقد علمت الحرب فخته بان ليس هناك قانون أو حق بين الدول باستثناء حق الأقوى. وأنه كي يصبح الشعب الألماني أمة حقيقية، فان عليه الخضوع لإرادة مربٍ وطني حازم لأن الارغام بحد ذاته هو أحد اشكال التربية. وعلى كل المفاهيم الاخرى كالأغلبية الديموقراطية، والحس العام الاختفاء أمام هذا المربي لأن لا أحد يمتلك أي حق امام العقل، ولأن الذي يتمتع بطاقة كبرى على فهم واستيعاب المسائل الاساسية له وحده الحق بإجبار كل الناس على اتباع تحليلاته ومواقفه.

سعادة وفيخته

ومثل فيخته أعطى سعادة أهمية كبرى للتربية، واعتبرها مثله «قادرة على تحقيق حرية الامة». كما التقى معه أن الأمة لها مواصفات خاصة تميزها عن غيرها من الأمم، وتمكنها من حمل رسالة معينة للعالم أجمع. لكن سعادة اختلف عن فيخته في كيفية تحديد الأمة ولم يعتبر أن اللغة أو العرق هي المحددات الأساسية. ومع أن سعادة اعتبر الأمة السورية لها مواصفات نوعية وقدرات روحية متميزة، إلا أنه لم يذهب مذهب فيخته المتطرف، الذي قال بتفوق العرق الآري للأمة الألمانية، مما يحملها مسؤولية تاريخية في تمدين العالم وتحضيره، بل تحدث سعادة عن مساهمة الامة السورية في ترقية الإنسانية والاشتراك في انتاج ثقافة إنسانية عامة لونها لون الشعوب المشاركة فيها.

والتقى مع فخته بأن القوة هي القول الفصل في إث%D