اذا صدق المنجمون، وباتت لنا حكومة من خارج اللوياجيرغا. اللوياجيرغا اللبنانية لا... اللوياجيرغا الأفغانية!

في هذه الحال، أين سعد الحريري، وهل سيكون، حقاً، الرئيس الفعلي للحكومة، وأن السراي ستنتقل بقضها، وقضيضها، الى بيت الوسط ؟ هنا الصدر الأعظم : سعد باشا الحريري...

هذه المشكلة الكبرى، المشكلة الفرويدية، التي ستواكب سمير الخطيب. هندسة البنى التحتية غير هندسة البنى الفوقية. كيف للرجل أن يشتغل داخل النفق، وكيف له أن يقود تلك الأوركسترا التي تتشكل في الظلام، باصابع ملوك الطوائف ؟ اياهم ملوك المافيات...

نستعيد ما قاله لنا فاليري جيسكار ـ ديستان، حين كان رئيساً للجنة الدستور في الاتحاد الأوروبي، «مشكلتكم في غياب الضمير السياسي». لا نتصور ان باستطاعة الباش مهندس بناء الضمير السياسي في لبنان. هذا كان يفترض أن يكون الشعار المقدس لأهل الشارع.

في اللقاء الأخير لرؤساء الحكومة الثلاثة (فؤاد السنيورة ونجيب ميقاتي وتمام سلام)، طرح السؤال : أين التوازن بين ميشال عون ونبيه بري و... سمير الخطيب ؟

الايعاز كان واضحاً بتفجير الشارع. فوراً اقامة العوائق تحت شعار «سلمية... سلمية». أين السلمية هنا، وبماذا يختلف قطع الطرقات بالحجارة عن قطعها بالبنادق؟

السؤال الثلاثي منطقي، بالرغم من المسافات السياسية، والأخلاقية، والشخصية، بين السنيورة وميقاتي وسلام. كيف يكون الأصيل في القصر الجمهوري، وكيف يكون الأصيل في ساحة النجمة، ولا يكون الأصيل في السراي الحكومية ؟ يا غيرة الدين... انزلوا الى الشارع!

شارل تاليران، أحد نجوم مؤتمر فيينا (1815 )، قال «منتهى الحنكة أحياناً منتهى السذاجة». «نعم» للخطيب في القصر، و«لا» للخطيب على الأرض. الحريري واثق من أن حكومة «البدل ضائع» لا بد أن تقع مغشياً عليها من الوهلة الأولى. أي شيزوفرانيا سياسية يمكن ان تليق بالمرحلة؟

هكذا يعود الحريري الى السراي على حصان ذهبي، وبشروطه. ماذا يمكن له أن يفعل أكثر مما فعله في الحكومة السابقة ؟ يعلم أن كل من يصل الى رئاسة الجمهورية انما يصل بتسوية، وأن كل من يصل الى رئاسة الحكومة انما يصل بتسوية. من الأفضل ألا ينتظر نهاية درامية للحكومة كونها النهاية الدرامية للدولة.

حتى الرهان على المعادلات الاقليمية لم يعد واقعياً. المصادر الديبلوماسية تتحدث عن تبدل تدريجي في المسارات الاستراتيجية الراهنة. لاحظنا كلام القائم بالأعمال الاماراتي في دمشق عبد الحكيم النعيمي. هذه دولة تزن كلماتها بميزان الذهب. رأت كيف ان رجب طيب اردوغان يبحث، لولبياً، عن الصفقة عبر الأراضي السورية، وكيف أن «الاخوان المسلمين» يحاولون الدخول، من خلال الكوميديا التركية (التجاذبات المبرمجة حول الدستور)، الى هيكلية السلطة.

أي رئيس حكومة في لبنان لا بد أن يزور دمشق. معبر البوكمال المحوري يحل مشكلة الانتاج اللبناني في اتجاه السوق العراقية المترامية. الحريري براغماتي، ويدرك أن اللعبة انتهت في سوريا. في هذه الحال، يفترض بمنظّري بيت الوسط ألا يشعلوا الطرقات، وألا يعمدوا الى تأجيج الحساسيات السياسية والمذهبية.

سعد الحريري أكبر بكثير، وأكثر شفافية بكثير، من أن يصغي الى وصايا فؤاد السنيورة، أو ان يسكنه شبح اشرف ريفي.

لبنان أمام مأزق كبير. خبراء يرون الحل بوضع البلاد تحت الوصاية المالية الدولية (صندوق النقد الدولي على سبيل المثال)، مع ما لذلك من تداعيات سياسية واجتماعية مريرة. لتكن حكومة الادمغة الباردة والفاعلة (والخلاقة) في آن، بعيداً عمن يوقدون الجمر تحت الرماد، أو من يراهنون على التفجير الذي لا يبقي ولا يذر... وليكن سعد الحريري لا سعد باشا الحريري !!