الاعلان عن موعد الاستشارات النيابية الملزمة يوم الاثنين المقبل، يشير الى ان السلطة السياسية تقترب من «الخطوة» الاولى في «رحلة» الالف ميل لمحاولة اخراج البلاد من اسوأ ازمة اقتصادية ومالية تمر فيها منذ الاستقلال، هذا طبعا اذا «صفت النوايا» وقدر لاي حكومة مقبلة ان تقوم بما يجب عليها القيام به، لكن ما هو مؤكد ان السنوات الثلاث المقبلة من عمر العهد ستكون صعبة للغاية، وهو امر يدركه رئيس الجمهورية ميشال عون العارف بصعوبة وحراجة الموقف الحالي...

ووفقا لاوساط مقربة من بعبدا، فان رئيس الجمهورية المدرك لصعوبة الموقف، اعطى التشاور حول اسـم الرئيــس المكلف والصيغة الحكومية كل الفرص الممكنة، على الرغم من ادراكه المسبق بان «قطبة» مخفية ادت الى استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري، وادى بعدها التلاعب في اطالة الازمة، وذلك بهدف اجهاض العهد، وهو امر لا يزال مستمرا باشكال مختلفة، ومن هنا لم يكن بمقدور الرئيس الانتظار كثيراً، وبغض النظر عن بوادر الانفراج الحكومي الحالي، فهو كان سيدعو الى استشارات «الامر الواقع» مطلع الاسبوع المقبل لوضع الجميع امام مسؤولياتهم.. لكن ثمة ادراك ايضا بان تشكيل حكومة لن يؤدي الى تأمين الاستقرار الاقتصادي والدعم الدولي على نحو سريع، لان انحدار البلاد نحو الانهيار الاقتصادي الممنهج، مدفوع بضغوط اميركية تهيىء الاجواء لما يسمى «الهبوط الناعم» بقيادة صندوق النقد الدولي، الذي سيعني حكما رهن لبنان اقتصاديا وسياسيا للولايات المتحدة الاميركية....

وفي هذا السياق، تشير اوساط سياسية مطلعة الى ان «الترف» في النقاش «البيزنطي» حول شكل الحكومة الذي استمر لاسابيع، كان «القشرة» الخارجية لحقيقة واحدة ماثلة امام الجميع، وهي ترتبط بحملة الضغوط الخارجية التي تقودها الولايات المتحدة بدعم من بعض دول الخليج على الساحة اللبنانية لتحقيق بالاقتصاد، ما لم يتم تحقيقه من خلال الحروب العسكرية والضغوط السياسية.. وما حصل خلال الاسابيع الماضية يوضح حقيقة ما كان يريده الاميركيون من خلال استهداف العهد وحزب الله على حد سواء، فالسيناريوهات التي طرحت تشكيل حكومة تكنوقراط تم ربطها بوعد الحـصول على دعم دولي وخليجي من خلال اجتماع للمانحين تقوده فرنسا مع وعد اماراتي سعودي بتقديم ايداعات بالدولار في المصرف المركزي، لكن تم رفض هذا الخيار غير الواقعي، وتم الاصرار على حكومة «تكنوسياسية»... والجديد الان هو تقديم صندوق النقد الدولي على انه الضمانة بعدم انهيار القطاع المصرفي لحماية الطبقات الفقيرة والمتوسطة، ومطالبة لبنان بإعادة هيكلة الديون، وتخفيض قيمة العملة 50% على ان تشمل الاجراءات «haircut» للودائع المصرفية الكبيرة دون المس بحسابات المودعين الصغار....

ووفقا لتلك الاوساط، فان الضغوط ستستمر، خصوصا عبر القطاع المصرفي فوتيرة سحب الدولار من المصارف، ما تزال مرتفعة على الرغم من الحد منها، وهذا سيدفعها الى منع سحب الدولار بشكل نهائي قريبا..اما بقاء السوق «السوداء» لصرف الدولار فستستمر وهذا سيؤدي الى زيادة التضخم بما يجعل العجزعن سداد الديون امرا واقعا، لان البنك المركزي ليس لديه احتياطات كافية لتغطية آجال استحقاقات الدين سوى لمدة عام، وبعد ذلك سيصبح الاحتياطي الاجنبي المركزي ضعيفا، واستنزاف هذا الاحتياطي لن يبقي خيارا امام الدولة غير خفض قيمة العملة، ولاول مرة سنكون امام مخاطر انهيار القطاع المصرفي لان المعضلة الرئيسية تكمن في أن 18 مليارا موجودة في المصرف المركزي احتياط الزامي على البنوك ولا يمكن الاقتراب منها، ما يعني أن ما تبقى للمودعين يقدر بنحو الـ12 مليارا فقط، وهذا يشير الى أن ودائع الناس في خطر، وتطمينات المصارف غير كافية لان كلامها عن وجود الودائع في المصرف المركزي غير صحيح لانها سيولة «مجمدة»، وهذا يعني ان مصير الودائع في «مهب الريح»...وكل هذا يجري «لتجميل» صندوق النقد الدولي مع انها «وصفة»«قاتلة» ستكون بداية لخسارة السيادة الوطنية والقرار الحر لدولة مفلسة...!

وبحسب تلك الاوساط، لا يقف الامر عند هذا الحد فحملة الضغوط المالية الاقتصادية التي يتعرض له لبنان مرتبطة ايضا بترسيم الحدود البحرية مع فلسطين المحتلة، وقد ابلغ الاميركيون الجانب اللبناني خلال مراحل التفاوض السابقة ان لا حل الا بالتنازل عن المنطقة الاقتصادية الخالصة المتنازع عليها مع اسرائيل، وقد وصل «التسامح» الاميركي الى الطلب من لبنان التنازل عن جزء منها تصل الى حدود 600كلم2، لكن الطلب قوبل برفض لبناني قاطع وليس واردا حصول اي تراجع عنه، ولذلك من المتوقع ان تستمرمنظومة الضغط الاقتصادي وستطال الحكومة الجديدة الى ان يتم التوصل الى حل للنزاع البحري- والبري مع «اسرائيل»، ويبقى الهدف الاساسي هو «خنق» حزب الله ومحاصرته ماليا تمهيدا لوضع «سلاحه» على «طاولة» التفاوض..وهذا يعني ان الازمة خطيرة وطويلة، لان محور المقاومة لن «يقف» مكتوف الايدي في صراع يعرف انه «طويل الاجل»، ولا مجال فيه للتراجع او الاستسلام..