قبل أشهر ألقى مارك كارني محافظ بنك إنجلترا، كلمة في اجتماع لمحافظي البنوك المركزية في العالم. الكلمة انصبت على رؤيته لمستقبل الدولار الأمريكي في ظل وضعيته المميزة في الاقتصاد العالمي.

عديد من الخبراء والاقتصاديين عدوا حينها أن حديث كارني يمثل تحديا لمكانة الدولار بوصفه عملة احتياطية للعالم وتشكيكا في مستقبله، خاصة بعد أن أشار إلى دعمه استبدال الدولار بعملة رقمية عالمية، وعد حينها أن هذا الحل يعد نموذجيا للخلاص من عشرة أعوام من معدلات التضخم المنخفضة وأسعار الفائدة المتدنية، محملا هيمنة الدولار على الاقتصاد العالمي المسؤولية عن هذا الوضع.

آراء محافظ بنك إنجلترا ليست نشازا أو شذوذا في التفكير، فكثير من الخبراء يعتقدون أن ذلك قد يكون حلا ما لأزمة الاقتصاد العالمي. لكن عدم نشاز أو شذوذ تلك الأفكار لا يعني أن الأغلبية العظمى من الاقتصاديين على قناعه بها، إنما يمكن القول إن هناك جدلا في الدوائر المالية حول الوضعية الراهنة للدولار ومستقبله، وإلى أي مدى يمكن أن تخدم نمو الاقتصاد العالمي، وهل تضع هيمنة الدولار الاقتصاد الدولي كله رهينة للرغبات الأمريكية؟ أم أن الدولار ومكانته توجد حالة من الاستقرار تعد ضرورية لتحقيق النمو؟ حتى لو تقلصت وضعية العملة الأمريكية، فهل توجد ضمانات حقيقية لبلورة اتفاق دولي حول عملة رقمية تتمتع بقبول عالمي يمكن أن تحل محل الدولار.

يعتقد الدكتور ستانلي روبن نائب رئيس اللجنة المالية في بنك إنجلترا من عام 2000 إلى 2003، أن وضع الاقتصاد الدولي لم ينضج بعد لإزاحة الدولار من المشهد الاقتصادي، أو حتى تقليص وضعيته بوصفه العملة الرئيسة في احتياطيات البنوك المركزية والمؤسسات المالية الدولية.

ويقول لـ"الاقتصادية"، إن "مع تنامي الاقتصاد الصيني، والتوقعات المتزايدة أن يحل محل الاقتصاد الأمريكي أكبر اقتصاد في العالم، فإن البعض يطرح العملة الصينية بديلا للدولار، لكن اليوان ليس في وضع يسمح له باحتلال تلك المكانة، والعملات الرقمية رغم جاذبيتها لا تزال محل لغط بين الاقتصاديين بشأن تأثيرها الحقيقي في الاقتصاد الدولي، إذ تفتقر إلى القواعد واللوائح التي تسمح بالاعتماد عليها".

ويقترح الدكتور ستانلي أن تترك الحرية للأسواق لتحديد العملة التي ترغب في الاعتماد عليها، وهو ما يدفعه إلى القول إن الدولار سيظل سيد الموقف وفي أسوأ الأوضاع سيتراجع لمصلحة سلة من العملات الدولية التي من المؤكد أنها ستضم اليوان الصيني واليورو الأوروبي، أما أن تحل عملة بمفردها محل الدولار الأمريكي، فإن هذا يعد مستبعدا، من وجهة الدكتور ستانلي.

رسميا، لا يوجد شيء يمكن وصفه بعملة عالمية، إلا أن العملة الأمريكية لا تزال الأقرب لذلك. فالدولار يشكل 61.8 في المائة من 10.9 تريليون دولار من احتياطيات النقد الأجنبي حاليا.

ونظرا إلى أنه مدعوم من أكبر اقتصاد في العالم، فإنه يعد ملاذا آمنا وموثوقا به من قبل الأشخاص والحكومات، خاصة في البلدان التي تعاني غياب الاستقرار السياسي والمالي.

لكن قوة الدولار الحالية لا تنفي أن سطوته آخذه في التآكل. ففي سبعينيات القرن الماضي مثل الدولار 80 في المائة من الاحتياطي النقدي العالمي، وبحلول الألفية الجديدة انخفضت تلك النسبة إلى 70 في المائة، لتواصل الانخفاض الآن إلى أزيد قليلا على 60 في المائة.

وهو ما يدفع الباحثة الاقتصادية أليسون كوك إلى التعليق لـ"الاقتصادية" بالقول، إن "جزءا من هذا التراجع يعود إلى شعور حلفاء الولايات المتحدة بالقلق من مدى إمكانية الوثوق في استعداد واشنطن للمشاركة في تشكيل النظام المالي العالمي من خلال آليات عمل جماعي، وليس عبر تقييد آليات عمل الاقتصاد الحر بفرض رسوم جمركية مفرطة على منافسيها".

وتعتقد أليسون كوك، أن الاتجاهات الحالية تشير إلى أن الاقتصادات الأخرى ستنمو، وستتراجع حصة الولايات المتحدة من الاقتصاد العالمي.

لكن هذا لا يعد من وجهة نظرها السبب في تراجع ثقل الدولار دوليا، إنما - كما تؤكد - أن مشكلة الدولار تكمن في ضعف الثقة بقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على النظام الاقتصادي، حيث لا توجد قوة أخرى يمكن أن تحل محلها حتى منتصف القرن على الأقل، لكن المشكلة أن واشنطن تحت قيادة الرئيس ترمب تفقد القيادة في المجالات التي تعد حيوية لحرية التجارة، وتبدو قدرتها على الاستجابة للأزمات المالية القادمة، خاصة أزمة الديون، ذات طابع أناني ومحلي، تهتم فيه بمصالح الولايات المتحدة فقط دون أن تأخذ في الحسبان ما يتطلبه دورها القيادي من تضحيات ومواقف سياسية واقتصادية متسقة.

وفي الواقع، فإن الاعتماد العالمي على الدولار يمنح واشنطن نفوذا ملموسا في حربها على الإرهاب والجرائم الإلكترونية، ويتيح لها فرصة صياغة قواعد مكافحة الفساد والتهرب الضريبي، وحماية الخصوصية بتنظيم تدفق البيانات العالمية، وهذا تحديدا ما سيقود الابتكار الاقتصادي في العقود المقبلة، فالإيمان بالدولار عملة ذات طبيعة كونية، لن يدوم دون الإحساس بأن دور الولايات المتحدة سيظل مبنيا على فكرة قيادة النظام العالمي وليس الانغلاق على الذات.

ولا يتناقض ذلك من الاعتقاد أن قوة عملة من العملات، وتحديدا الدولار، ينبع في نهاية المطاف من الثقة بمصدر تلك العملة، أي في الولايات المتحدة، وقدرته على تحقيق أهدافها ونواياها. ومن الطبيعي للغاية أن يكون سعي الدولة صاحبة هذه العملة تحقيق مصالحها أولا، لكن استخدام تلك العملة ونموها لن يحدث إذا كانت مصالحها لا تتماشى مع الأهداف المشتركة للآخرين، وأبرزها تحقيق النمو والاستقرار العالمي.

مع هذا يظل سؤال من قبيل ماذا لو قرر المجتمع الدولي عدم استخدام الدولار، فما البديل؟ سؤال مطروح على مائدة البحث، قد يكون افتراضيا، لكنه يساعد على الأقل في معرفة اتجاهات المستقبل.

البروفيسور نايجل أكتون، الاستشاري السابق في صندوق النقد الدولي، لا يعتقد أن هذا السؤال سؤال افتراضي. ويقول لـ"الاقتصادية"، إنه "إذا شعرت اليابان وكوريا الجنوبية والبلدان الرئيسة في الاتحاد الأوروبي، وأعني ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، أن الولايات المتحدة لم تعد تقدم مظلة أمنية لها، فإن علاقة تلك الدول بالدولار ستتغير، فالدول التي تعتمد على حماية مظلة الأمن الأمريكي لديها حصة أكبر من الدولار في احتياطياتها النقدية من الدول التي لا تعتمد على المظلة الأمريكية، مثل روسيا والصين".

ويضيف، "الدول التي تمتلك أسلحتها النووية تمتلك دولارات أقل من الدول المتقدمة التي لا يوجد لديها رادع نووي، وتعتمد على الرادع الأمريكي، وإذا تراجعت علاقة بلدان مثل كوريا الجنوبية واليابان وألمانيا بالدولار، فلن تحافظ العملة الأمريكية على وضعيتها الراهنة".

ويعتقد البروفيسور نايجل أن دعم مارك كارني محافظ بنك إنجلترا، لعملة رقمية عالمية تحل محل الدولار تدريجيا، فكرة إيجابية. ويؤكد أن عملة رقمية تدعمها مجموعة كبيرة من الاقتصادات الرائدة، يمكن أن تصبح بديلا للدولار، وبذلك يتم الاستفادة بشكل ملموس من الاحتياطيات الدولارية التي يتم الاحتفاظ بها حاليا كوثيقة تأمين في أوقات عدم اليقين، وإذا تطورت بنية مالية حول تلك العملة الرقمية، ونجحت في الحد من التغول الأمريكي على الدورة المالية العالمية، فإن ذلك سيساعد على تقليل تقلبات تدفقات رأس المال إلى اقتصادات الأسواق الناشئة.

ويبدو هذا الاقتراح جاذبا، وتحديدا للمتأكدين أن العصر المقبل عصر العملات الرقمية، لكنها إن استخدمت الآن وسيلة للدفع ووحدة حساب، فإنها تفتقد أحد الجوانب الأساسية لمفهوم المال، وهو أن يكون مخزنا للقيمة، فالتاريخ النقدي للبشرية يشير إلى أن العملة لكي تكون مخزنا موثوقا به للقيمة، يجب أن تقف وراءها حكومة قوية، وهو ما يغيب حتى الآن عن العملات الرقمية.

لكن إذا باتت البنوك المركزية مصدرا لإصدار العملات الرقمية، فهل ستكون قادرة على مزاحمة العملات الرقمية "الخاصة" مثل "بيتكوين"؟ أم أن البديل سيكون عدم إصدار البنوك المركزية عملات رقمية، إنما تنظيم سوق العملات الرقمية لأنها تستخدم الآن في غسل الأموال والتهرب الضريبي وتجارة المخدرات وتمويل الإرهاب؟

لا تزال الإجابة عن تلك التساؤلات محل نقاش وأخذ ورد بين الخبراء والمختصين، وهو ما يعني أن الدولار الأمريكي سيظل لفترة ملموسة مقبلة، رغم تنامي التحديات التي تواجهها العملة الرئيسة في العالم، وتتمتع بثقة المجتمع الدولي أكثر من أي عملة أخرى.

المصدر: الاقتصادية