على الرغم من تعاظم الأخطار المالية والإقتصادية والإجتماعية، والتي تجتمع كل الأطراف المحلية والخارجية على أنها غير مسبوقة وتضع الأمن الإجتماعي في البلاد أمام تحديات خطيرة، فإن أوساطاً نيابية واسعة الإطلاع، ترى أن التعقيدات السياسية المتعدّدة التي تقف أمام إنجاز الإستحقاق الحكومي، تحول دون الإنصراف إلى مواجهة التداعيات اليومية للواقع المأزوم، وذلك بصرف النظر عن كل ما يتردّد حول الإطاحة بالمعادلة السياسية بأكملها من خلال الإستجابة لمطالب وتوجّهات الشارع. وبرأي هذه الأوساط، فإن تأجيل الإستشارات النيابية، هو مؤشّر سلبي كونه يفتح المجال واسعاً أمام تدهور الوضع العام نحو حالة من عدم الإستقرار، وبدأت تترجم بطريقة ميدانية من خلال العودة مجدّداً إلى حوادث إقفال الطرقات، ولو بشكل محدود ولفترة زمنية قصيرة.

وفي هذا السياق، فهي تؤكد أن الصيغة الحكومية التي يعمل المعنيون على إنجازها في المطابخ الخاصة، لن تكون مختلفة عن حكومة تصريف الأعمال الحالية من حيث التوزيع، وإن كانت بعض القوى ستغيب عنها لتحلّ مكانها قوى أخرى ممثّلة من خلال شخصيات توصف بـ«المتخصّصة» أو التكنوقراط «المسيّس»، وذلك، بعدما استقرّت الإرادات السياسية في الأيام القليلة الماضية، على اعتبار أن صفحة الإحتجاجات في الشارع قد طُويت، على الأقلّ في الوقت الراهن، وبسبب تنامي الأزمات المعيشية والإجتماعية، وبالتالي، فإن عنوان المرحلة المقبلة يتركّز على تجاوز انتفاضة 17 تشرين الأول الماضي، من أجل ضمان الإستقرار السياسي الداخلي والإنطلاق في عملية تشكيل الحكومة. ومن هنا، فإن الأوساط النيابية نفسها، توضح أن تعثّر المشاورات حول الأسماء التي ستشارك في الحكومة العتيدة، هو الذي أدّى إلى تأجيل جديد للإستشارات النيابية لتسمية رئيس حكومة جديد هذا الأسبوع أيضاً، لافتة إلى أن المشاورات التي جرت وما زالت مستمرة، تتناول ثلاثة عناوين: الأول التمثيل السياسي، والثاني عدد الوزراء وتوزيع الحقائب على حكومة مصغّرة، والثلث هو خطة الحكومة الإنقاذية، والتي بدأ منذ اليوم وضع الخطوط العريضة لها، وذلك، من دون إغفال البيان الوزاري الذي سيكون متماهياً مع بيان حكومة تصريف الأعمال.

وفي سياق متصل، تقول الأوساط نفسها، أن توسيع رقعة الإجتماعات والإتصالات في الساعات الـ48 الأخيرة، تعكس اتفاقاً مبدئياً بين المعنيين بالإستحقاق الحكومي، ولكنها في الوقت نفسه تنبئ بأزمة سياسية على محور قصر بعبدا وبيت الوسط، وذلك بدلالة الحملات السياسية والإعلامية بين «التيار الوطني الحر» وتيار «المستقبل»، وما تبعها من تحرّكات في الشارع، علماً أن تيار «المستقبل» أكد أنه غير معني بأي دعوات صدرت في بيروت وبإسم «المستقبل» عبر مواقع التواصل الإجتماعي من أجل قطع الطرقات في بعض شوارع العاصمة.

وانطلاقاً من هذه المعطيات، فإن الأوساط النيابية المطلعة ذاتها، ترجّح استمرار المراوحة على خط الإستشارات النيابية، موضحة أن الأطراف المعنية ما زالت تتريّث في ضرب أي موعد رسمي، وذلك تفادياً لأي تعثّر في مراحل لاحقة، خصوصاً وأن أي خطوة ناقصة على هذا الصعيد، قد تكون أكثر كلفة من أي تسرّع في بدء الإستشارات، من دون التوصل إلى توافق ما بين الكتل النيابية يسمح بالتأسيس لتوافق حول شكل الحكومة وتوزيع الحقائب الوزارية فيها، خاصة وأن التفاهم قد قطع شوطاً لا بأس به و«الطبخة» الحكومية في مراحلها النهائية.