الواقع الاقتصادي الذي تشهده سوريا حاليا، جعل الكثير من الباحثين الاقتصاديين، يحاولون إيجاد الوصفة الطبية السحرية التي يمكن أن تعيد الدورة المالية لحالتها الطبيعية داخل الجسد الاقتصادي السوري، وكانت سياسة حذف الصفر من العملة إحدى الطروحات التي وضعت على الطاولة.

تعتبر عملية حذف الأصفار إحدى أدوات العلاج الاقتصادي التي اتبعتها عدة دول حول العالم، لتغطية الانخفاض الكبير في قيمة عملاتها الشرائية مقارنة بالدولار، التي يتم بموجبها، تعديل القيمة الأساسية لعملة البلد، بسبب ارتفاع نسب التضخم، وطبقت هذه التجربة في الكثير من الدول، على سبيل المثال لا الحصر، البيرو عام 1991، والأرجنتين عام 1992، وتركيا عام 2005، وآخرها إيران التي عدلت عملتها من الريال إلى التومان، لتحذف بذلك أربعة أصفار في عام 2019.

وباعتبار أن التجارب الاقتصادية لكل دولة، تختلف مهما تشابهت عن الأخرى، فلكل بلد حالته السياسية والاقتصادية والمجتمعية التي تميزه عن الآخر، والتي من شأنها أن تجعل وصفه اقتصادية علاجية فعالة في دولة ما وضارة في دولة أخرى رغم تشابه الحالات، لذلك هناك حذر كبير لدى راسمي السياسة الاقتصادية السورية من إقرار أي علاج قبل التطبيق وهو أمر محقوق، فهل تطبيق هذه السياسة، حذف الأصفار، سيكون له دور إيجابي في سورية؟

واعتبرت المدرسة في كلية الاقتصاد الدكتورة رشا سيروب، أن "حذف الأصفار هو إجراء فني وليس اقتصادي، ولن يعكس إلا تحسنا اسميا وليس حقيقيا في قيمة العملة فالقدرة الشرائية ستبقى هي ذاتها، مقابل انخفاض أسعار السلع والخدمات فإنه ستنخفض بنفس النسبة الدخول والمدخرات، لذلك حذف صفر ليس إلا التفاف على جوهر المشكلة"

اعتبرت د. سيروب أنه إذا كان هناك أثر إيجابي، فهو لن يتعدى توفير تكاليف ونفقات طباعة عملات من فئات أعلى، وبعض الآثار النفسية الإيجابية للمواطن على المدى المنظور القصير جدا، ومن ثم سيعود التضخم والارتفاع مجددا وبحدة أكبر".

ونوهت د. سيروب إلى أنه يمكن تحقيق الغاية المرجوة من إزالة الأصفار بعد القيام بحزمة إصلاحات اقتصادية تخلق الثقة بأن عصر التضخم المرتفع تم تجاوزه، واعتبرت أن هناك شروط لتحقيق ذلك، منها ثقة المواطنين في السياسات الحومية والحد من الانفاق غير المنتج وتقليص الانفاق الإداري والتخلص من القوى الاحتكارية المسيطرة على السوق.

واقترحت د. سيروب مجموعة إجراءات قبل الشروع بحذف العملية كتعديل السياسات الاقتصادية، واستقلالية مصرف سوريا المركزي وتفعيل الخدمات المصرفية الإلكترونية.

أكد الباحث الاقتصادي، الدكتور أحمد أديب أحمد، في تصريح خاص لوكالة "سبوتنيك" عدم وجود جدوى اقتصادية باتباع هذه الطريقة لعدة أسباب "ليست بالعملة السورية فقط بل بالاقتصاد السوري ككل، وأية تعديلات شكلية على قيمة العملة لن تعطي نتائج جيدة إن لم تتم معالجة المشكلات الاقتصادية الأساسية، فهذا الإجراء يحتاج إلى اقتصاد مستقر ليتم ضبط الآثار الناجمة عنه".

وطرح د. أحمد، تساؤل؛ في ظل غياب الإنتاج وتوقف التصدير وسيطرة الاستيراد والمضاربة في السوق السوداء "مَن ذا الذي سيضمن عدم عودة الانخفاض المستمر لقيمة الليرة السورية أمام الدولار بعد اتخاذ هذا الإجراء؟ خاصة وأن الحكومة لا تستطيع السيطرة على المتغيرات الاقتصادية الراهنة ولا التحكم بها، وأحياناً تكون غائبة كلياً عن المعاناة الاقتصادية للمواطنين بسبب التقصير أو الإهمال".

واعتبر أن هذا الإجراء سيكون له أثر سلبي كبير على الحالة النفسية للمواطن الذي يشعر الآن بانخفاض مستوى دخله مع أنه وصل وسطياً إلى خمسين ألف ليرة شهرياً بعد الزيادة الأخيرة لرواتب وأجور العاملين، فالمواطن لن يستوعب عودة متوسط دخله الشهري إلى خمسة آلاف ليرة، والحكومة لن تستطيع ضبط أجور العمل الحر وأسعار السوق ضمن الأرقام الجديدة للعملة، وسندخل في فوضى اقتصادية جديدة متولدة عن الفوضى الحالية، ستؤدي إلى انهيار الاقتصاد في ظل غياب الخبرة والإرادة للتعافي والنهوض من جديد.

فكرة حذف الأصفار في سوريا ليست جديدة، الموضوع متداول في وسائل الإعلام، واطلعت وكالة "سبوتنيك" على مقال سينشر للصحفية مادلين جليس في مجلة مال وأعمال السورية تحت عنوان "بعد تراجع الليرة السورية هل تنجح فكرة حذف الأصفار من العملة المحليّة" تخلله تحليلات وآراء لعدد من الباحثين في الشأن الاقتصادي، أشارت فيه إلى أنه مسكن غير ناجع، وأنه باعتبار "أنّنا لم نصل لمرحلة نحتاج فيها لحذف الأصفار فإنّنا بحاجة لخطوات تؤدّي الفائدة الاقتصادية ذاتها، مثل تفعيل التداول بالعملات الصغيرة"

رصدت وكالة "سبوتنيك" رأي خريجي المهعد الوطني للإدارة العامة بدمشق، الذين رفضوا الفكرة بشكل عام معتبرين أن هذه العملية لا تثبت جدواها إلا في ظل استقرار سعر الصرف، مع ضرورة رصد تكاليف الطباعة.

اعتبر حافظ محمد أن هذه العملية لن تغير شيء بالنسبة لواقع الاقتصاد طالما أنه لن يكون هناك تغيير بنسبة النفقات إلى الدخل، لكن سيكون فائدة في تسهيل عملية الشراء والبيع وحمل النقود.

وأشارت ريما الابراهيم العاملة في هيئة الاستثمار السورية إلى أن اي تعديل على العملة أو التدخل الداخلي في سعر الصرف لن يكون له أي جدوى اقتصادية، لأنه سيكون وهمي وليس له أي انعكاس اقتصادي، معتبرة أن التدخل الوحيد الذي يجب أن يحدث هو "التدخل بعوامل الانتاج وكلفتها ودعم الصناعة الوطنية لأنها الوحيد القادرة على إنقاذ الاقتصاد، بالإضافة إلى القرارات الصحيحة والمجدية المتعلقة بالاستيراد وتنفيذ برنامج إحلال بدائل المستوردات بشكل فعال".

واعتبر المهندس محمد بيطار العامل في مؤسسة الكهرباء أنه قبل الشروع بالتفكير بحذف الأصفار من قيمة الاوراق النقدية يجب توافر بيانات عن حجم الكتلة النقدية والناتج المحلي الإجمالي ومعرفة سرعة دوران النقد بالإضافة للأثر على سياسة الاقراض وأسعار الفائدة مشيرا إلى أن "غياب مثل هذه البيانات وعدم استخدام الشفافية في طرحها له اثر سلبي على استقرار سعر الصرف لا بل اكثر من ذلك الإعلام يتحمل الجزء الأكبر عندما يحاول تسويق أن زيادة الرواتب كانت عشرين ألف ليرة وتصل الى نسب فلكية من الراتب  300% بينما فعليا لم نحصل على أكثر من عشرة آلاف بما لا يتجاوز 20%في احسن الأحوال".

وأشارت رنا مصة إلى أن نتائج بعض المختصين التي أكدت أن العملية ستسبب "إضعاف لقيمة الليرة السورية واعتراف بعجزها ونحن دولة تمتلك من المقومات ما يساعدها على استعادة انتعاشها بعد الأزمة لذا لا جدوى من الغاء الصفر بل هو مؤذ".  

ونوه أمين سر لجنة البعثات العلمية في وزارة التعليم العالي، حافظ محمد، إلى أن هذه العملية "قد تفيد في إصلاح العملة للقضاء على المضاربة بالليرة السورية من الخارج ولكن طباعة عملة جديدة هي عملية مكلفة جدا".

من جهته أشار بسام عمار العامل في جامعة طرطوس أن "معظم الطلب على الدولار يذهب للاكتناز وأن معظم من لديهم مبالغ ضخمة فقدو الثقة بالعملة السورية وحولوها الى دولار وهذا بدوره زاد من الطلب على الدولار فارتفع مقابل الليرة، فالحل يكون بتجريم التعامل بالدولار".

فيما اعتبر مازن حاج أحمد أن السر بزيادة الإنتاج والاستثمار وهذا يتطلب "محاربة فساد وتحديث أجهزة الدولة وتطوير للقوانين، وحاليا الاصلاح والتطوير نجده شعارا وليس عملا، اما استبدال العملة أو إلغاء صفر فيجب أن يتواكب مع رفع العقوبات وإصدار النقد بشكل قانوني بما يتناسب مع دخل البلد والثروات المختلفة مع تحديد لرؤية اقتصادية واضحة وتشريعات حديثة الأمر الذي يعطي مصداقية للعملة الجديدة".

واعتبرت رنا السوقي معاون مدير مديرية المعاهد التقنية في جامعة البعث، أن أي تصرف مثل إلغاء صفر أو غيره هو فلكي وهمي، فبدل من جعل البلد كحقل تجارب، يجب الاتجاه للإصلاح الداخلي من محاربة الفساد سواء من التاجر أو من موظف التموين الفاسد إلى محاربة احتكار السلع وخصوصا الأساسيات وأخذ خطوات جدية حازمة بمحاربة الفساد وجباية الضرائب وتشجيع الانتاج المحلي "انا مع وقف الاستيراد للمواد التي نستطيع انتاجها لان البلاد غارقة ببضائع مستوردة تحت خط الجودة الادنى لكن سعرها عالي بحجة أنها مستوردة". م

من الممكن اعتبار حذف صفر من العملة هو عملية تبسط تعاملات أكثر منها "حقنه علاجية" لواقع اقتصادي، فتحليل واقع سلوك الاقتصاد الكلي في سورية يشير إلى أنه هناك خلل في الدورة الاقتصادية التي تدور بين الإنتاج والاستهلاك، فالإنتاج منخفض جدا مقابل الطلب، مع وجود أجور ورواتب منخفضة، يسبب شللا في الدورة الاقتصادية، وعمليات الدعم التي تقوم بها الحكومة، بالقطع الأجنبي، تزيد الأعباء المالية عليها، إضافة إلى العقوبات الاقتصادية التي تتسبب بتكاليف مضاعفة لأي عملية استيراد، زد على ذلك النفقات الكبيرة التي تتطلبها الحرب الجارية على الجبهات، والتي هي علقم لابد منه للحفاظ على استقرار البلاد وأمنها.

سبوتنيك