ليست حادثة الانتحار التي تم تسجيلها في بلدة عرسال نهاية الاسبوع الماضي حين أقدم أب على قتل نفسه لان ابنته طلبت منه الف ليرة لبنانية لا يملكها وهو المديون بـ700 الف ليرة، الا مؤشر اجتماعي خطير لما نحن مقبلون عليه في ظل تقاطع معطيات عدد كبير من السياسيين كما الاقتصاديين والماليين على ان الازمة التي انفجرت أخيرا على شكل «انتفاضة» ستتعاظم في الاسابيع والاشهر المقبلة ما سيؤدي لتضخم اعداد اللبنانيين الذين يرزحون تحت خط الفقر وبالتالي لارتفاع عدد جرائم القتل والسرقة وحتى عمليات الانتحار.

وكان جورج زريق قد سبق ناجي الفليطي على الانتحار حين لم يستطع تسديد قسط ابنته في المدرسة، الا ان ما قام به زريق سبق اندلاع الانتفاضة بعكس حادثة الفليطي التي سجلت بعد نحو 46 يوما من «الثورة» ما فاقم النقمة في الشارع على تمسك القوى الحاكمة بالسلطة رغم كل ما شهدته وتشهده المناطق اللبنانية كافة، مقابل استمرار معاناة الفقراء والمعوزين الذين وان كانوا يؤيدون تماما الحراك الشعبي، وشاركوا فيه عند انطلاقته، يشتكون من انه فاقم مأساتهم مع تراجع فرص العمل بشكل كبير. ويعتبر ن.ن. (55 عاما) وهو لبناني يعمل في مجال البناء أنه «كان لا بد من الانتفاض على الواقع المرير الذي كنا ولا نزال نعيشه لكن قطع الطرقات وطول امد الحراك انعكس سلبا علينا»، مضيفا: «بعد ان كانت اعمالنا محدودة جدا في السنوات القليلة الماضية، جاءت الانتفاضة لتقضي كليا عليها، باعتبار ان من كان يجهز شقته أوقف كليا الاعمال فيها اقتناعا منه بوجوب الاحتفاظ بأمواله في المرحلة الحالية حتى اتضاح المنحى الذي سوف تسلكه الامور». ويؤكد العامل اللبناني الخمسيني أن «من يتحمل المسؤولية ليست قوى الحراك، انما الاحزاب الحاكمة التي لا تزال تبحث في كيفية صياغة تسويات على مقاسها تحافظ على حصص تقاسمتها على حسابنا».

ويبدو واضحا ان القيادات السياسية لم تتمكن حتى الساعة من تحديد الوجهة التي سوف تسلكها البلاد في ظل تضارب المعلومات الواردة من الخارج حول موقف واشنطن مما يحصل ومن شكل الحكومة الذي تطمح اليه، وبالتالي ما اذا كانت تتمسك بالموقف المعلن لسفيرها السابق في بيروت جيفري فيلتمان ام انها ستبدي بعض الليونة. وترى مصادر «الثنائي الشيعي» ان «المعطيات الراهنة لا تبشر بكثير من الخير خاصة في ظل مواصلة الضغوط المالية والاقتصادية التي ترضخ لها المصارف من جهة كما اصحاب المؤسسات الكبيرة المقربين من الجو الاميركي من جهة اخرى والذين لم يترددوا بخفض رواتب موظفيهم الى النصف رغم قدرتهم على تسديدها كاملة لينسجموا بذلك كليا مع الاجندة الاميركية التي تهدف لخلق بيئة منتفضة تحمّل حزب الله مسؤولية ما آلت اليه الاوضاع».

ومع ترقب اجراءات تشرّع القواعد التي وضعتها المصارف للتعامل مع المودعين خوفا من انهيار القطاع، ما من شأنه ان يزيد من نقمة اللبنانيين الذين باتوا يشتكون مما يصفونه بـ«الاذلال» الذي يتعرضون له باطار سعيهم لسحب أموالهم، لا تخفي المصادر خوفها من ان «تؤدي كل هذه الأحوال الى ازدياد في معدلات الجريمة سواء جرائم القتل او السرقة بمحاولة لتأمين لقمة العيش خاصة بعد خسارة المئات وظائفهم في الأشهر القليلة الماضية والاهم في ظل الاعداد الكبيرة للنازحين السوريين واللاجئين الفلسطينيين الذين هم ايضا تدهورت اوضاعهم مع تقلص فرص العمل وارتفاع الاسعار، ما يرجح ان نكون على موعد مع انفجار اجتماعي غير مسبوق يصعب استيعابه».