لا بلد آخر في الدنيا يحمل على ظهره مثل هذه الأثقال التاريخية، من المرثيات السومرية الى المواويل الجريحة، مروراً بنبوخذنصر، وسميراميس، وهارون الرشيد...

لا بلد آخر في الدنيا يحمل على ظهره مثل هذه الأثقال الجغرافية. أن يتاخم الدولتين الاقليميتين الكبريين، بما يختزنان من تفاعلات أمبراطوريات، اضافة الى أربع دول عربية. كل الرياح، وكل الصراعات، تتقاطع، بشكل أو بآخر، على أرض الرافدين.

كنا قد لفتنا الى ما قاله أمبراطور الصين للرحالة القرشي من أن «الملوك خمسة، أوسعهم ملكاً ملك العراق لأنه في وسط الدنيا». ربما مشكلته أنه في وسط هذه المنطقة التي هي وسط الدنيا.

كيف لبلد كان مهد الحضارة السومرية، ومنها استوحت الأديان بدايات الخليقة (ميكانزم الخليقة)، وعرف الحدائق المعلقة، واستنّ شرائع حمورابي، كما بلغ فيه «بيت الحكمة» الذي استقطب فلاسفة وعلماء ذلك الزمان عصره الذهبي في عهد المأمون، أن يتحول الى أرض يباب؟

هل من نقطة تقاطع هنا بين اللبننة والعرقنة؟ ابان الحرب الأهلية كانت الرؤوس تقطع بالفؤوس في أرقى منطقة من بيروت، وكان أبو عرب، يستعرض الجماجم على عربة الخضر. ألا يوجد الآن من هو جاهز لاستعادة تلك الحقبة السوداء؟

نتوقف عند ما يجري اليوم على أرضنا، وعلى أرض العراق. الصرخة ذاتها ضد الفساد، وضد البطالة، وضد العوز، وضد المحاصصة الطائفية، وضد ازدواجية المعايير.

غالباً، الشيعة هم أهل الثورة في العراق. حالياً، زعامات سياسية، ودينية، في منتهى الهشاشة، وفي منتهى التبعية. اذ سقطت في جاذبية السلطة، والمال، أخذتها الرياح الاقليمية في كل الاتجاهات.

الفارق شاسع بين المؤسسة العسكرية في لبنان والمؤسسة العسكرية في العراق، وقد مضت بعيداً في «جيوبوليتيكا الدم». عبد الكريم قاسم (الزعيم الأوحد) أباد العائلة الملكية قبل أن يطلق الشيوعيون ثقافة السحل. عبد السلام عارف راح يثأر بقطع الرؤوس وعرضها على الشاشات. ندرك، بالتفصيل، ما فعله صدام حسين...

هذا لم يحصل على أرضنا. لا مجال للقول، ونحن حجارة الشطرنج، ان القوى الاقليمية والدولية لا تتدخل لتوظيف الصرخة لأغراض جيوسياسية، وجيوستراتيجية. الأصابع القذرة في كل مكان. ما الذي كسر المساكنة بين واشنطن وطهران في العراق، وهل حقاً أن الايرانيين تعدّوا الخطوط الأميركية الحمراء؟

الكل كان يرى في عادل عبد المهدي المايسترو الذي على بيّنة من كل تفاصيل المشهد. لا أحد يشكك في نزاهة الرجل وحسن طويته، لكنه أتى ليجلس فوق الركام (فوق الجمر). ماحدث، منذ عام 2003 وحتى الآن، أشد هولاً مما فعله هولاكو. الضباع انقضّت، بايقاع هيستيري، على المال العام في بلد قالت «الايكونوميست» انه مؤهل ليكون يابان الشرق الأوسط.

ماذا بعد استقالة عبد المهدي؟ في الاقليم، ثمة من يسعى الى تجزئة العراق، ليعود الى ما كان عليه قبل أن يوحد ونستون تشرشل مرجعية النفط بدمج ولايات البصرة وبغداد والموصل. هنا دولة سنية، ودولة شيعية، ودولة كردية، كمدخل لتجزئة دول عربية أخرى ما دامت الأنظمة ضالعة في أوديسه داحس والغبراء.

لبنان لا يتجزأ، وان استعاد البعض حلم الكانتونات الكرتونية. العراق يتجزأ. كيف للجنود أن يطلقوا الرصاص على الرؤوس والصدور، وهو ما يفعله الاسرائيليون بالعرب؟ الجنرالات القتلة. هل من أحد في العالم يعرف كيف يحكم العراق؟

مايك بنس يزور معسكر «عين الأسد». لا يلتقي أياً من أركان السلطة. أليست المهزلة الكبرى؟ لماذا حين زار دونالد ترامب أفغانستان التقى رئيسها بالرغم من الخواء الأمني هناك؟ أين سيادة العراق؟

يا لبدر شاكر السياب حين قال، في مقهى الهورس شو في بيروت «هنا أكتب القصيدة بأصابع القمر. هناك أكتبها بأصابع الجمر». أصابع الدم...