في وقت دخلت البلاد في نفق الازمات العميقة على كل المستويات ومعها تزداد مخاطر انفلات الامور على المستويات المالية والنقدية والحياتية، في ضوء الارتفاعات الخيالية للسلع والمنتوجات اليومية وفقدانها في الاسواق بسبب «تفلت» أسعار الدولار وارتداداته على كامل الحركة الاقتصادية وحياة المواطنين، يراوح ملف تكليف أحد الشخصيات لتأليف الحكومة ومعها طبيعة التشكيلة المنتظرة على خلفية الشروط والشروط المضادة بين القوى السياسية الممسكة برقاب اللبنانيين واضاعة الوقت ما يزيد من خطر الوقوع في الكارثة المالية والنقدية، ونتائج كل ذلك على البلاد اقتصادياً وحياتياً، بينما المعاناة اليومية للبنانيين أدخلتهم في ضائقة غير مسبوقة وأوصلت أكثريتهم الى حدود الفقر المدقع.

وفي انتظار «الفرج» الذي دخل في غيبوبة قاتلة لم تشهد جبهة الاستحقاق الحكومي تطورات ايجابية يمكن البناء عليها لاحداث خرق في عملية «عض الاصابع» حول طبيعة الحكومة الجديدة وهو الامر الذي يؤشر اليه التأجيل المستمرّ للاستشارات النيابية، على الرغم من تداول اسم السيد سمير الخطيب لتشكيل الحكومة وبما يفسح المجال أمام دعوة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لهذه الاستشارات، وسط استمرار المخاوف من لعبة حرق الاسماء بسبب الخلاف السياسي المستحكم بين الجهات السياسية المعنية، وما يدفع لهذا التشاؤل ما هو حاصل من «كباش» بين العواصم المؤثرة بالوضع اللبناني بما خصّ التعاطي مع الوضع الحكومي.

وعلى وقع كل هذه الاجواء والمخاطر، يستولد الواقع السياسي المأزوم عشرات الأزمات يومياً في كل ما يتعلق بالأوضاع الحياتية والمالية والنقدية والاقتصادية وهي لا تستثني مرفقاً او شأناً حياتياً وآخرها معاودة أزمة المحروقات نتيجة الاضراب الذي لجأ اليه اصحاب المحطات من اضراب ادى الى شلل شبه كامل وانعكس سلبياً على عمل القطاعين العام والخاص الى جانب عشرات الازمات في كل المرافق وخدمات المواطنين و«الحبل عا الجرار»، في وقت تكثف الانتفاضة الشعبية من اعتصاماتها وتحركاتها رفضا للتلكؤ الحاصل في التكليف ومعالجة الازمات الداخلية وما يحصل من استغلال وجشع في الاسعار وتأمين السلع والخدمات الاساسية للمواطن.

اذاً، يدور المسار السياسي حول ملف تشكيل الحكومة في الحلقة المفرغة «ولا من يسمع او يرى» من الطبقة السياسية المأزومة والمصرة على دفع البلاد ومعها كل اللبنانيين الى الانهيار والتي لا يستبعد سياسياً لبنانياً من خارج الطبقة الحاكمة اعتبار المجتمع الدولي للبنان دولة فاشلة تمهيدا لمحاولة فرض وصاية دولية عليه، حيث تتداخل يوميا المزيد من التعقيدات وعملية «شدّ الحبال» حول طبيعة الحكومة الجديدة وما يتمسك به كل فريق من شروط وشروط مضادة وبالاخص بين العهد ورئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري، حيث أكدت الاجواء والاتصالات حول تداول اسم الخطيب ان الامر لا يتعدى حتى الآن لعبة حرق الاسماء في ضوء ما حصل في الايام الماضية من لعبة حرق عدد من الاسماء لرئاسة الحكومة على خلفية «الكباش» الذي بلغ مراحل صعبة ومعقدة في ظل تمترس كل طرف وراء شروطه بما خص تشكيل حكومة تكنوقراط او حكومة تكنو - سياسية، الى جانب الصراع الذي برز في الساعات الماضية حول بعض الاسماء التي قد تشارك في الحكومة أو توزيع بعض الحقائب خاصة وزارة المالية.

لذلك، يوضح السياسي المعني ان ما يقال ويروج عن احتمال دعوة رئيس الجمهورية العماد ميشال عون لاجراء الاستشارات النيابية الملزمة الاسبوع المقبل هي نوع «الابر المخدرة» للتخفيف من وطأة الصراع القائم حول التشكيلة الحكومية، طالما ان لا شيء محسوم حول الاسم الذي سيتم تكليفه او «التوليفة» المنتظرة للحكومة وحتى في حال حصول الاستشارات في ظل هذا التأزم السياسي فالامر لا يتعدى الدوران في الحلقة المفرغة، بل وادخال مزيد من التعقيدات على الملف الحكومي.

فالواضح حتى الان ان كل طرف من طرفي أزمة التكليف والتأليف يرمي الكرة في ملعب الفريق الاخر، حيث ان الرئيس عون لا يبدو انه بوارد الدعوة لاجراء الاستشارات قبل التوافق على طبيعة الحكومة الجديدة وبالدرجة الاولى قبول الحريري او اي اسم آخر يرشحه او يقبل به بأن يوافق على قيام حكومة تكنو - سياسية وتوزير بعض الاسماء التي يعترض عليها الحريري خاصة الوزير جبران باسيل وهو يلقى دعما واضحاً حول تشكيلة تكنو - سياسية من الرئيس نبيه بري وحزب الله والقوى الاخرى في فريق 8 آذار، على اعتبار ان مقتضيات الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد تفرض وجود حكومة مطعمة بالسياسيين حتى تتمكن من اتخاذ ما هو مطلوب من اجراءات وخطوات تمنع الانهيار الكامل وتضع المعالجات على السكة المطلوبة وتحول في الوقت ذاته دون التفرد في القرارات الداخلية وتلك التي لها علاقة بسياسة لبنان الخارجية، خصوصاً في ظل المحاولات الاميركية لاسقاط لبنان اقتصاديا وماليا وحرفه عن ثوابته الوطنية.

اما الرئيس الحريري الذي دخل في لعبة هي اشبه - كما يقول السياسي المذكور لعبة المراهنة بمصير البلاد متلطيا بعمق الازمة والحاجة الى ما يعتبره ابعاد الخلافات السياسية عن عمل الحكومة المقبلة لتتمكن من انقاذ البلاد على طريق «كلام حق يراد به باطل» حتى يتمكن من فرض شروطه حول التشكيلة الحكومية سواء كانت برئاسته او من خلال تسميته لشخصية سنية، وهو ما يشير اليه السياسي المذكور بالاتي:

1- لم يغيّر الحريري من سقوفه العالية بما خص تشكيل حكومة يسميها مستقلة أو تكنوقراط، فيما هي ستكون برئاسته وهو يمثله سياسياً، او شخصية اخرى يتحرك على وقع توجهاته، حتى ان تبلغه من الثنائي الشيعي حرصهما على ان يترأس الحكومة، او يسمي هذه الشخصية لم يبدل «شعرة» من شروطه العالة، بما في ذلك ما يضعه من «فيتوات» حتى حول اسناد بعض الحقائب الاساسية لغير من يسميهم الحريري.

2-- ان رئىس المستقيل يتكئ في شروطه على دعم موقفه من جانب كل من وليد جنبلاط وسمير جعجع، اضافة الى التوجهات الغربية، من واشنطن، الى باريس وعواصم اخرى، وحتى يتلطى وراء مطلب الحراك الشعبي لحكومة من التكنوقراط، بينما ما يشترطه الحريري لا يتوافق بالاساس مع دعوة الحراك لحكومة تكنوقراط، على اعتبار انه سيكون على رأس الحكومة ويسمي معظم وزرائها وحتى ولو كان من التكنوقراط.

3- ان ما اعلنه قبل أيام من بيان باسمه يعلن فيه عدم ترشحه لرئاسة الحكومة، أدخل تعقيدات أكبر من تلك التي كانت قبل هذا البيان، حيث ان الحريري يلعب لعبة حرق اي اسم يتم طرحه لتشكيل الحكومة، طالما ان الاطراف الاخرى ترفض اشتراطاته حول طبيعة الحكومة.

من كل ذلك، يؤكد السياسي المعني ان لا استشارات في المدى المنظور على الاقل، وهو ما يعني تعمّق ازمة تأليف لحكومة ومعها دفع لبنان واللبنانيين نحو ازمات تولد ازمات خصوصاً في ظل الارتفاعات الكبيرة لسعر صرف الدولار وانعكاس ذلك على كامل الاوضاع المالية والاقتصادية والحياتية، وبالتالي تشريع وصول البلاد الفوضى على غير ما حصل في الساعات الماضية على خلفية اضراب اصحاب محطات المحروقات.