يمارس الجيش دوره، في منع صدام بين المواطنين في الساحات والشوارع، وفي ان يمنع الاقتتال الداخلي، وهي مهمة مكلفة عليه، ان يقف بوجه متظاهرين منتفضين في سبيل مطالب محقة لهم، من اجتماعية واقتصادية وخدماتية، ومحاربة الفساد، واسترداد المال المنهوب، وقيام دولة مدنية ورعاية اجتماعية، وكذلك في رفض مواطنين قطع الطرقات عليهم.

واثبتت المؤسسة العسكرية، منذ مرحلة ما بعد اتفاق الطائف، بأن لا خلاف حولها ودورها، كما كان في مرحلة الحرب الاهلية وما قبلها، اذ حصل خلاف حول استخدام الجيش في الصراع السياسي الداخلي، فكان طرف في السلطة يريده الى جانبه طرف آخر يرغب في ان يبقى في الثكنات، الى ان تطورت الازمة الداخلية الى حروب اهلية، متأثر بها ضباط وافراد من الجيش لهم ولاءات طائفية وحزبية وخرجوا عنه تحت مسميات عدة.

ومنذ اغتيال الرئيس رفيق الحريري، والجيش ينأى بنفسه عن الصراع السياسي، كما رفض ان يكون في مواجهة المقاومة، عندما كان العماد اميل لحود قائدا له عام 1993، بارساء عقيدة قتالية، بأن اسرائيل هي العدو، وقد ساهم الجيش السوري اثناء وجوده في لبنان، في الربط بين الجيش والمقاومة، وخضع ضباط فيه لدورات في سوريا، وظهرت ثلاثية «الجيش والشعب والمقاومة».

ومع انسحاب الجيش السوري من لبنان، دخلت اميركا على خط مد يد المساعدة للجيش، تسليحاً وتدريباً وتمويلاً، في محاولة لتغيير عقيدته القتالية، وفق ما يتحدث احد الخبراء العسكريين الكبار في الجيش سابقاً الذين عايشوا هذه المراحل، ليشير الى ان واشنطن تعمل منذ عقود لدور ومهام للجيش مختلفة عما هو عليه الان، وتعرض تسليحه وتمويله ليكون في غرفة عملياتها كي ينهج طريقا اخرى تؤدي الى نزع سلاح المقاومة، وزجه في صراع معها، تحت شعار «السلاح بيد الجيش فقط»، وان يشارك مع القوات الدولية العاملة في الجنوب بضبط حركة المقاومة ومنع تخزين سلاح لها، او وصوله الى مناطق جنوب الليطاني وتنفيذ القرار 1701، حيث تم توقيف مساعدة اميركية للبنان مؤخراً بمبلغ 105 مليون دولار، كشرط لتبديل الجيش لسلوكه من استمرار التنسيق مع المقاومة، اضافة الى وقف العمل بالتعاون العسكري والامني مع الجيش السوري، الذي نصت عليه «معاهدة الاخوة والتعاون والتنسيق اللبناني - السوري».

انطلاقاً من هذه المعطيات، فان اميركا تصوّب على الجيش ودوره، وتسعى لاستعادته الى محورها، كأحد الدول في «حلف الناتو»، يقول الخبير العسكري، الذي يشير الى المرحلة التي تلت الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1982، وحضور ضباط من الجيش الاميركي، الى بيروت، لتكوين جيش تكون مهمته «حرس حدود لاسرائيل»، يطبق ما جرى الاتفاق عليه في 17 ايار، الذي تم اسقاطه لاحقاً، وبعدها انقسم الجيش وتشرذم في عهد الرئيس امين الجميل.

فالتركيز الاميركي على الجيش هو من اولى اهتمامات الادارات الاميركية المتعاقبة، ومنها ادارة الرئيس الحالي دونالد ترامب، التي تحاول جاهدة لاستمالة الجيش نحو سياستها، حيث لم تلق تجاوباً لدى قيادته، التي ترفض مساعدة مشروطة للجيش من اميركا او سواها، ولن تنجر الى صدام داخلي مع اي طرف سياسي، وهي ليست بوارد ان تنحاز لاحد، وكان قائد الجيش العماد جوزاف عون واضحاً وصريحاً، عندما خاطب العسكريين، وعبرهم اللبنانيين، بأنه يضمن امن المتظاهرين في التعبير عن ارائهم، ويؤمن الطريق للجميع، ويمنع قطعها، في اداء متوازن، مما دفع بكل القوى السياسية والحزبية، و«الحراك الشعبي»، ان يكون الجيش ملاذهم، ويحفظ الامن، ويكون سداً بوجه الانزلاق نحو فتنة، يقول الخبير، الذي يرى ان المحاولات الاميركية، لاستخدام الجيش في الداخل لن تنجح.

وفي السياق استغل كلام للعميد المتقاعد في الجيش مارون حتي، وهو يشغل مستشار عسكري وامني للرئيس سعد الحريري، في مؤتمر المنامة، عندما طرح سؤال حول كيف يمكن تجنب الصدام بين الجيش والمقاومة، والانزلاق اليه، وقد توجه به الى اعضاء المؤتمر ومن بينهم وفد اميركي، الذي تهرب من الجواب، اذ كان سؤال العميد حتي، لمنع حصوله لكنه جاء تفسيره على انه يدعو له، وهو كان يطرحه بصفته الشخصية، وليس بصفة رسمية، انما توقيته صودف مع ما يجري في الشارع.

ويؤكد العميد حتي لـ«الديار»، بأنه لبى الدعوة للمؤتمر وهي الثانية، دون علم الرئيس الحريري ولم يخبره به، واصدر بياناً اوضح فيه انه شارك كباحث عسكري، وكمحاضر في كلية القيادة والاركان في الجيش اللبناني، وانه سبق له وتلقى دعوات لهذا المؤتمر الذي يديره «المركز الدولي للدراسات الاستراتيجية» ومقره الاساسي لندن، وهو عقد مؤتمرات عدة في عدد من الدول، وان مشاركته فيه، هي للتحدث عن وقائع واستنتاجات، ولم يذهب لتحريض الاميركيين على المقاومة، كما نشر البعض على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث يكشف العميد حتي، بأنه تواصل مع قيادات في «حزب الله»، وهم اصدقاء له منذ سنوات، واوضح لهم، حقيقة ما تحدث فيه، وصيغة السؤال الذي طرحه، لتجنب حصول صدام، وهو موجّه الى الاميركيين قبل غيرهم، اذا كانوا يسعون الى ذلك.

ومن الصعب ان تكون حليفاً لاميركا صديقة العدو الاسرائيلي وداعمته يقول العميد حتي، الذي كان مدير العمليات في الجيش عندما اعطى الامر بالتصدي للعدو الاسرائيلي عندما حاول التقدم باتجاه «شجرة العديسة» الشهيرة، وتخطي الخط الازرق والاعتداء على السيادة اللبنانية، مما ادى الى وقوع اشتباك بين الجيش اللبناني والعدو الاسرائيلي، فسقط ثلاثة شهداء للجيش، وقتل مقدم في الجيش الاسرائيلي وسائق الجرافة، وهو ما قام به بالتصدي للاحتلال الاسرائيلي في عام 1982 في بيروت، وقصف الطيران المعادي للكتيبة التي كان يخدم فيها، واصابته، ومقتل الرقيب غازي غامس.

فما حصل في مؤتمر المنامة، تساؤل، حصل لغط حول تفسيره، وربطه بمواقف اميركية، كما في توقيت الحراك الشعبي، والموقع الذي يشغله العميد حتي الذي يؤكد، انه لا يبرر موقفه، ولا يناقش بدور المقاومة في دحر الاحتلال الاسرائيلي، وهو مما عجزت عنه جيوش عربية، وان كل ما قصده هو منع الوقوع في ما يخطط له للبنان.