بعد إعلان رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري قراره الواضح والصريح عن عدم نيّته بترؤس الحكومة الجديدة متمسّكاً بقاعدة «ليس أنا بل أحد آخر»، فيما لا يبدو في الأفق أنّ الكتل النيابية ستستغني عنه لرئاسة «حكومة الإنقاذ»، تنصح الدول الأوروبية، وعلى رأسها فرنسا، بتشكيل الحكومة سريعاً للحصول على الدعم الدولي، مشدّدة على التزام الإتحاد الأوروبي الإستقرار الأمني في لبنان.

وتنقل أوساط ديبلوماسية لبنانية على اطلاع واسع على الموقف الأوروبي بأنّ باريس تربط ضرورة عدم إضاعة الوقت وتشكيل حكومة تُرضي اللبنانيين للتخفيف من احتقان الشارع وعدم الذهاب الى الفلتان الأمني، وتعمل على حماية الأمن الإقتصادي والمالي في البلد الذي دخل دائرة الخطر، باجتماع المجموعة الدولية لدعم لبنان الذي سيُعقد في باريس قبيل منتصف كانون الأول الجاري، أي في غضون أيّام.

ففي رأيها، أنّ ممثلي أعضاء مجموعة المانحين فضلاً عن دول الخليج التي ستُشارك في هذا الإجتماع ستشجّع أكثر على المضي في الإفراج عن مليارات الدولارات لمساعدة لبنان وفقاً لالتزامات المؤتمر الدولي «سيدر» الذي عُقد في باريس في العام الماضي، في حال تشكّلت الحكومة خلال أيّام، وأبدت استعدادها لإنقاذ الوضع. علماً أنّه بعد انتفاضة 17 تشرين الأول تنامت الشكوك أكثر فأكثر لدى المجموعة الدولية إذ بات واضحاً كيف أنّ الأمور قد تراجعت كثيراً الى الوراء، وسط عدم تحمّل المسؤولين السياسيين لمسؤولياتهم، أقلّه في تشكيل حكومة جديدة سريعاً ومتابعة الإصلاحات المطلوبة بسرعة أكبر.

وتقول الأوساط نفسها انّه سبق لمؤتمر «سيدر» أن خصّص قروضاً وتبرّعات بقيمة 11.6 مليار دولار، على أن تقوم الحكومة بتنفيذ إصلاحات هيكلية وتخفيضات في الميزانية، ورفع معدّل النمو الذي انخفض بشكل حادّ في السنوات الأخيرة. غير أنّ الديبلوماسي الفرنسي بيار دوكين الذي زار لبنان في أيلول الماضي (أي قبل انتفاضة الشعب) لمتابعة تنفيذ الإتفاقية، زادت شكوكه في إمكانية تنفيذ لبنان لوعوده بعد أن التقى المسؤولين اللبنانيين، فكيف سيتمكّن لبنان من استعادة هذه الثقة الدولية بعد تدهور الأمور، بدلاً من أن تسير بشكل جيّد، على ما كانت تأمل فرنسا، خلال الأشهر التالية لشهر أيلول؟!

ولأنّ ما حصل بعد زيارة دوكين كان أسوأ ممّا توقّعته فرنسا وكذلك المجموعة المانحة، فإنّ الفرصة الأخيرة أمام حصول لبنان على المدفوعات الموعودة هي تشكيل حكومة في أسرع وقت ممكن، على أن تُعطى صلاحيات واسعة لتتمكّن من تحقيق الإصلاحات اللازمة. علماً بأنّ تشكيل الحكومة الأولى للرئيس سعد الحريري الذي تطلّب أكثر من ثمانية أشهر قد أخّر في وقت سابق حصول لبنان على هذه المبالغ.

ولهذا تنصح فرنسا أن يُصار اليوم الى التكليف والتأليف سريعاً قبل فوات الأوان على الدعم الدولي الإقتصادي للبنان، من خلال إعلان حالة طوارىء إقتصادية والعمل على معالجة التدهور المالي والإقتصادي الحاصل في البلاد، والعمل على استعادة ثقة الشعب من خلال إعادة استقرار سعر صرف الليرة اللبنانية مقابل الدولار، بعد أن ضربت السوق السوداء الليرة اللبنانية. فضلاً عن العمل على زيادة الودائع المصرفية والإحتياطات الأجنبية في مصرف لبنان المركزي الآخذة في الإنخفاض، سيما بعد أن خفّضت وكالة «فيتش» في آب الفائت تصنيف لبنان من «بي.سلبي» الى «سي.سي.سي»، وترجيح أن تقوم وكالة «ستاندارد آند بورز» بتخفيض التصنيف خلال الأشهر الـ 12 المقبلة»، ما لم تتمكّن الحكومة من تطبيق «إصلاحات بنيوية لتخفيض عجز الموازنة وتحسين النشاط التجاري».

وكشفت أنّ اجتماع باريس ينظر أيضاً الى عمل مجلس النوّاب الذي يعمل على إقرار موازنة العام 2020، بحسب ما قدّمتها حكومة تصريف الأعمال الحالية، ويُعوّل على تقليص العجز المزمن في ميزانية الدولة بعد أن وصل الى 86 مليار دولار، أي أكثر من 150 % من الناتج المحلّي الإجمالي. فهل سيتحرّك المسؤولون ويقومون بالجهود اللازمة التي تفضي الى قرارات ملموسة قبل اجتماع باريس المرتقب؟!