من الصعب على أي محلل سياسي أن يرسم المشهد العام في لبنان، الحالي، أو أن يضع التوقعات للمستقبل القريب، ففي الشأن الحكومي تحدّث النائب في كتلة التنمية والتحرير علي بزّي عن مستجدّات تتغيّر كل دقيقة، ولا يمكن، مع الأسف، أن نقول «فول ليصير بالمكيول»، ولا يمكن الآن بناء مواقف حاسمة نظراً للمتغيرات بالملف الحكومي، متطرقا الى حديث رئيس المجلس النيابي نبيه بري الأربعاء عن ضرورة استعادة الاموال التي خرجت من البلد، أو تلك التي تضعها المصارف في الخارج والتي تقدّر بمليارات الدولار، والتي لو قامت بإحضار نصفها فقط الى لبنان وضخّها في السوق لخفّفت من حدة الأزمة وأنهتها.

وفي حديث لصحيفة «الديار» أكد أن موضوع إخراج الأموال مثبت، وموثق، والمشهد يستدعي من الجميع تحمل المسؤولية وعلى القطاع المصرفي تحمل مسؤولياته لإنقاذ الوضع، وضخ الأموال بالسوق اللبناني، مشددا على أن دورنا في هذا المجال رفع الصوت، والطلب من الجميع التخلي بالنضج الأخلاقي الوطني.

ولفت بزي في سياق حديثه الى أن «الحكومة المستقيلة لا يعني ان تكون غائبة، فللأسف من تاريخ الاستقالة الى اليوم لم تجتمع الحكومة ولم تُشكل اللجان لمتابعة الأوضاع الحياتية والإقتصادية، والحكومة المستقيلة لا يجب أن تستقيل من ممارسة واجباتها، سواء على مستوى الحكومة ككل او على مستوى الوزراء، ولأجل ذلك رفع الرئيس بري الصوت لتذكيرها بأنها لا يمكن أن تستقيل من تصريف أعمالها.

كذلك ذكّر بزي بدعوة الرئيس بري للرئيس عون لأن يدعو المجلس الأعلى للدفاع للإنعقاد لأن وزير الاقتصاد يحضر الاجتماع وهناك الكثير من الأمور المتعلقة بالإقتصاد يجب متابعتها، مشدداً على ضرورة قيام الحكومة بتشكيل لجنة مالية لتخفيف الذعر المالي، مشيراً الى أننا سمعنا الرد من الحريري على بري ولكنه لم يكن موفقاً وليس صحيحا أن الحكومة تقوم بواجباتها.

بالعودة الى السياسة، يدور تساؤل حول سبب تمسك فريق 8 آذار وعلى رأسه حركة أمل بوجود سعد الحريري على رأس أي حكومة مقبلة، وفي هذا السياق كشف بزي وجود 3 أسباب لذلك، مشيراً قبل التطرّق اليها أننا «بالبداية كنا ضد استقالة الحكومة لأن تعقيدات المشهد ستصعّب مهمة تشكيل أخرى، وتبين صحة توقعاتنا، وبالعودة للأسباب الثلاثة قال بزي: بداية لأنه على الجميع تحمل المسؤولية، ولا يمكن لأحد أن يقول أنا أوصلتكم الى ما أنتم فيه اليوم وسأجلس جانبا.

ثانيا: البعض يعمل على تسخين توترات مذهبية بين السنّة والشيعة، ونحن ننتمي الى مدرسة ترفض رفضاً قاطعاً أي أجواء تستحضر فتنة مذهبية في البلد.

ثالثا: شخصية الحريري قادرة على جلب نوع من الدعم الدولي أو الخليجي لمعالجة الأزمات الاقتصادية التي نعاني منها حصراً.

وأضاف: «بعد تمنّعه عن ترؤس حكومة ارتضينا أيضا أن يسمي هو شخصية ويُظهر لها الدعم، لا فقط تسمية شخصية كما حصل في المرات الأخيرة، خصوصا بعد أن توضحت الصورة أن بعض الأسماء تم حرقها وبعضها ذهبت ولم تعد، ونحن نقرّ ونعتبر أن الوضع لا يحتمل التلكؤ أو تأجيل حسم ملف الحكومة وبمجرد تأليف حكومة سينعكس الأمر إيجابا لدى اللبنانيين، ومن يحب لبنان ولكن على ما يبدو هناك شروط تواكب الملف الحكومي.

رفض بزي الحديث عن مؤامرات خارجية على لبنان ولو أنها موجودة، مشيراً الى أننا «عبّرنا بكلام الرئيس بري مراراً بأن الوضع في لبنان يبدو وكأن المؤامرة من داخلنا على أنفسنا، وذلك قبل الحديث عن الخارج، فأنا أدرك أن الموقف الأوروبي متفهم جدا، وبغض النظر عن المؤثرات الخارجية يجب أن نسأل أنفسنا الأسئلة التالية: هل نحن بلغنا سن النضج الوطني وسن الرشد السياسي وهل نرتب الأولويات حسب المصالح الوطنية أم أجندات خارجية، والسؤال سيطرح بقوة في هذه الفترة».

واضاف: «نحن لا نريد التشكيك بنوايا أحد ولكن آن الأوان لكي نرتقي الى مستوى قلق الناس وخوفها وصرختها ووجعها، فالبلد لا يحتمل شهوراً أضافية وربما لا يحتمل أسابيع إضافية ونعيش في كل يوم تفرعات اجتماعية على علاقة بأزمات اقتصادية».

وفي سياق حديثه عن التدخلات الخارجية والترابط بين الملفات المحلية والخارجية، والاقتصادية الحياتية مع الاستراتيجية، وجّه بزي أسئلة الى اللبنانيين ربما يكون الجواب الذي تحمله على متنها كافيا لتوضيح حجم المشاكل التي ترافق مفاوضات تشكيل الحكومة. فقال: «يجب أن ننتبه ان هناك ملفّات ذات طابع سياسي سيادي بامتياز، الأول ترسيم الحدود بين لبنان والعدو الاسرائيلي، الثاني ملف النفط والغاز، الثالث ملف النازحين السوريين، والرابع ملف توطين اللاجئين الفلسطينيين وصفقة القرن».

وسأل: «هل يعلم اللبنانيون أن لجنة الشؤون الخارجية والموازنة في الاتحاد الأوروبي قررت دمج النازحين السوريين بالمجتمعات التي توجد فيها؟، هل يعلمون أننا رفضنا 50 مليار دولار لأجل صفقة القرن ولم تنته المسألة، وهل يعلم اللبنانيون أن ملف التفاوض على ترسيم الحدود خاضع للضغوطات بشكل شبه يومي، بظل وجود مفاوض عن حق، باسم لبنان، اسمه نبيه بري، الذي وبظل تغيّر الكثير من المفاوضين من هوف الى شينكر، لا يزال على نفس الموقف الوطني السيادي اللبناني المنادي بعدم التفريط ولا التنازل؟

تمنى بزي أخيرا أن يرتفع منسوب العقل لدى المسؤولين ليتغلّب على الشياطين التي تكمن في التفاصيل، داعيا اللبنانيين للصبر والأمل.