بالرغم من كون بيان رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري الذي اعلن فيه عدم رغبته بتشكيل حكومة جديدة مطولا وتفصيليا، وبالرغم من انه قد يبدو للبعض مقنعا، فهو بنظر مصدر نيابي في «الثنائي الشيعي» مجرد «محاولة حريرية» أخرى لرفع السقف على قاعدة «عرف مكانه فتدلل». اذ لا يبدو المصدر مقتنعا بأن الحريري زاهد بالسلطة وان كانت تحولت كرة نار مؤخرا بعيد اندلاع «الانتفاضة الشعبية» في 17 تشرين الاول الماضي، مشيرا الى انه «كما أحرق اسمي محمد الصفدي وبهيج طبارة فهو سيحرق عاجلا ام آجلا اسماء جديدة قد تكون مرشحة لتولي المنصب ولكن وفق آليات جديدة بعدما باتت الآليات السابقة مكشوفة».

ولعل التحركات التي تشهدها المناطق السنية - الحريرية عشية طرح اي اسم لخلافة الحريري، اكبر دليل، بحسب المصدر، على ان قيادة «المستقبل» هي التي تتولى تحريك الشارع الذي تعتمده كورقة لتحسين شروط المفاوضات، معتبرا انه وبعد فشل جولة المفاوضات الماضية، قرر الحريري لعب ورقة «الجوكر» التي بجيبه لجهة اعلان رغبته بأن لا يكون من يشكل الحكومة الجديدة، علما انه يعي ان اي شخصية لن تستلم زمام الامور من دون مباركته. وتضيف المصادر: «اما ما يُحكى عن تمسكنا به، فلا يعدو كونه اصرارا ورغبة منا بأن يتحمل مسؤولياته في هذه المرحلة الحساسة بعدما كان وفريقه السياسي الطرف الاساسي في الحكم طوال الاعوام الـ30 الماضية وبالتالي المعني الاول بالأزمة التي تتخبط فيها البلاد».

ولكن التبريرات التي يقدمها حزب الله وحركة أمل بشأن سعيهما لاعادة تكليف الحريري، تبدو مضحكة لفريق «المستقبل» الذي تعتبر مصادره ان «الثنائي الشيعي» كما «التيار الوطني الحر» يتمسكان بالرئيس الحريري لعلمهما انه الوحيد القادر بفضل علاقاته الاقليمية والدولية بأن يشكل طوق النجاة للبلاد ولكونه يشكل الضمانة المطلوبة لعودة الاستثمارات والاموال الى لبنان والاهم تأمين وصول أموال ومشاريع «سيدر» بأمان. وتنفي المصادر المستقبلية تماما ان يكون الحريري يفاوض مستخدما ورقة الشارع، لافتة الى ان «هناك حقيقة ترفض القوى السابق ذكرها مواجهتها الا وهي ان الشعب في ثورة وانه لن يهدأ قبل ان يرى الامور تنقلب رأسا على عقب لمصلحته»، معتبرة ان «الاصرار على اعطاء الحراك طابعا طائفيا أحيانا وحزبيا احيانا أخرى لم يعد ينفع، وقد باتت اللعبة مكشوفة امام الناس».

وبين اتهامات «الثنائي الشيعي» وردود «المستقبل» والأهم انقطاع التواصل بين الحريري ورئيس الجمهورية العماد ميشال عون، تستعر الأزمة. فان كانت ظاهرة قطع الطرقات قد انحسرت الى حد كبير بقرار أمني - سياسي، الا ان ظاهرة تحكم المصارف بأموال اللبنانيين تبقى الأكثر استفزازا في ظل استمرار سياسة اعطاء الاموال بالقطارة ما يهدد مصالحهم وحتى انقطاع حاجاتهم اليومية.

ولعل نظرة شاملة للواقع اللبناني بعد 17 تشرين الاول، تُظهر أن الامور قد خرجت عن قدرة كل الاطراف على استيعابها، سواء الطرف الذي ركب موجة الثورة (داخلياً كان او خارجياً) او قوى السلطة، ما يهدد بأزمات مفتوحة حتى أجل غير مسمى خاصة بعد اقحام الوضع اللبناني في الكباش الدولي الاميركي - الايراني وهو ما تجلى بما ورد على لسان السفير الاميركي الاسبق في بيروت جيفري فيلتمان كما بالردود المباشرة من حزب الله وأبرزها من نائب أمينه العام الشيخ نعيم قاسم الذي لم يتردد بتوجيه اتهام علني للولايات المتحدة الاميركية بأنها المعرقل الأول لتشكيل الحكومة. وبعدما بات محسوما ان الشتاء اللبناني سيكون الاقصى منذ سنوات، هل يكون الانفراج بالربيع او الصيف ام يكونان أشد لهيبا؟