ثورة لبنان، ليست سوى تيار غضب وقهر، انتقل بسرعة النور من قضاء الى قضاء ومن مدينة الى مدينة ومن قرية الى قرية ومن شارع الى شارع، ومن بناية الى بناية، مخترقاً الطوائف والمذاهب والاحزاب، ليصبّ غضبه وقهره على الطبقة السياسية الفاسدة، التي اهانته وجوّعته وهجّرته، ومسّت كرامته، ولذلك ليس هو تياراً تقليدياً ولا حزباً هرمياً، حتى يسأل من يحرّكه أو من يديره أو من يموّله، انه تيار شعبي جارف، لا يعتمد الاساليب التقليدية، ولا تعنيه الاتهامات بشيء، لأنه يعرف من هو ويعرف ماذا يريد.

من دون شك ان ثورة بهذا الحجم في بلد مثل لبنان بهذا الحجم، ستكون معرّضة حتماً الى اندساس اشخاص ليسوا من طينتها ولا من توجهاتها، بعضهم للاستغلال، وبعضهم للظهور، وبعضهم للدسّ، والبعض للتخريب وتشويه صورة الثورة، وفي جميع الحالات المستفيد هو واحد أحد، الطبقة السياسية الفاسدة التي تشعر لأول مرة انها مهدّدة بمقصلة الثورة، وتعمل المستحيل للدفاع عن وجودها المهدد، من هنا كانت بداية حملات التشويه والاتهام والتهديد، التي تصاعدت لتتحوّل الى عمليات ازعاج محدودة، وعندما اسقطت الثورة جميع هذه الحملات، بدأت حملات العنف والضرب والتكسير والسرقة، وعندما ألحقها الثوار بسابقاتها، اندلعت حملة الفتنة المذهبية التي ذهب ضحيتها منازل ومحال وسيارات في منطقة تسكنها اكثرية مسيحية، وكادت الفتنة تشتعل بين ابناء المنطقة الواحدة، حيّ الشياح وحيّ عين الرمانة، لولا وعي ابناء الحيّين الذين تداركوا الفتنة سريعاً وفتحوا شوارعهم وقلوبهم لبعضهم بعضاً، كذلك وقعت طرابلس، عروسة الثورة الجميلة، بتدخّل شرير من مندسّين على الثورة وعلى المدينة، ولولا يقظة الجيش والاهالي لكانت وقعت الكارثة التي خطط لها الاشرار اعداء لبنان.

* * * * *

بالنسبة الى ما حدث في عين الرمانة والشياح، كان الخوف كبيراً لأن الحرب في لبنان اندلعت في تلك المنطقة، وامتدت الى العاصمة وكل لبنان تقريباً، وبما انني اعتبر نفسي من ابناء عين الرمانة وسكنت فيها عازباً ومتأهلاً، استطيع الجزم بأن الخلاف بين عين الرمانة والشياح، لم يكن يوماً خلافاً مذهبياً بين مسيحيي عين الرمانة وشيعة الشياح، والحرب لم تكن بين شيعة الشياح ومسيحيي عين الرمانة، بل كانت الحرب بين حزب الكتائب، وبين المسلّحين الفلسطينيين وميليشيات واحزاب لبنانية حليفة لهم، معظمهم من أهل السنّة، ولم يكن الشيعة يومها طرفاً في هذه الحرب كما يعتقد البعض، لأن الامام الصدر الرجل اللبناني الكبير حرّم القتال بين الاخوة، وتحرّكه الوطني في هذا الاتجاه يعرفه الجميع، والمسيحيون رغم غيابه القسري الطويل ما زالوا يحملون للامام الصدر كل المحبة والاحترام والتقدير.

عبثاً النفخ في جمر الفتنة، فالثورة اقوى، لأنها من كل لبنان، وثورتها من أجل لبنان وشعبه... كل شعبه.