تراجع الوضع الإقتصادي والمالي في لبنان يعود من دون أدّنى شكّ إلى الفساد المُستشري وإلى غياب السياسات الإقتصادية على مر العقود. ألاف الصفحات من الخطط والإجراءات الإصلاحية تمّ كتابتها على مر السنين من دون أن يُطبّق منها شيء، وفي كل مرّة كانت الأحداث الأمنية والخلافات السياسية تُشكّل الحجّة الأساسية لعدم تطبيق الإصلاحات والخطط. هذا الغياب للسياسات الحكومية جعل الإقتصاد اللبناني يتطوّر من دون توجيه نحو قطاعات ذات قيمة مُضافة عالية أي القطاعين الصناعي والزراعي. وكما ورد في تقرير البنك الدولي عن لبنان بتاريخ 15 تشرين الأول 2017، غياب السياسات الحكومية دفع بالمُستثمرين إلى الإستثمار في قطاع الخدمات المعروف عنه انه قطاع ذات قيمة مُضافة منخفضة في الإقتصاد نظرًا إلى أنه لا يتطلّب رأسمال كبير وعائداته سريعة. وقد شهدّنا خلال أعوام المجد (2007 ـ 2010) إستثمارات كثيرة في القطاع العقاري، التجاري والخدماتي عامّة من دون أن يكون هناك إستثمارات جدّية في القطاعين الزراعي والصناعي.

وبالتالي ومع زيادة مدخول المواطنين، بدأ الإستيراد من الخارج بالإرتفاع بهدف سدّ حاجة السوق المحلّي التي زادت مع غياب صناعات وزراعات تُلبّي حاجة السوق. وأدّى غياب الدعم لقطاعي الصناعة والزراعة إلى فقدان تنافسية البضائع اللبنانية أمام البضائع المُستوردة خصوصًا مع وجود معاهدتين مع الإتحاد الأوروبي والدول العربية لإلغاء الرسوم الجمركية.

من هذا المُنطلق، أصبح لبنان يعتمد بشكل كبير على الإستيراد من الخارج خصوصًا من الإتحاد الأوروبي، الصين، الولايات المُتحدة الأميركية... بأرقام خيالية وصلت إلى أكثر من أربعين بالمئة من الناتج المحلّي الإجمالي! وطالت المواد المستوردة كل شيء تقريبًا من دون إستثناء حتى البضائع المُصنّعة مثلها في لبنان مع تنافسية عالية خاصة للبضائع الصينية التي إجتاحت الأسواق اللبنانية مع مئات ألوف الكونتينرات في العقد الأخير.

في المقابل ذهبت صادرات لبنان التي لا تتخطّى الـ 6% من الناتج المحلّي الإجمالي إلى كل من دول الخليج، الإتحاد الأوروبي، الثلاثي سوريا ـ العراق ـ إيران ـ تركيا ـ أفريقيا الجنوبية... وهي بالدرجة الأولى مؤلّفة من الذهب والأحجار الكريمة، الكاروسري للشاحنات، المحوّلات الكهربائية، المواد البلاستيكية، والخردة، الأوراق...

القيود التي فرضتها المصارف اللبنانية على حركة الدولار الأميركي خصوصًا الكاش، أظّهرت إلى العلن مدى تعلّق الإقتصاد اللبناني بالإستيراد. وبنظرة على الصرخات التي يُطلقها التجّار، نرى أنها تطال كلّ القطاعات من المواد الأساسية مثل المُشتقات النفطية والأدوية والقمح مرورًا بالمواد الغذائية ووصولا إلى الكماليات. وهذا يعني أن لبنان فاقد لأمنه الإقتصادي والغذائي وبالتالي لا يُمكنه الصمود أمام عقوبات دولة عظمى كالولايات المُتحدة الأميركية كما تصمد الجمهورية الإسلامية في إيران.

إنخراط لبنان في الصراع الإقليمي وحتى الدولي هو أمر واقع لا خيار للبنان فيه. هذا الواقع تُظهره الأحداث التي يمرّ بها لبنان خصوصًا مع صعوبة تشكيل الحكومة وبروز بعض الملفات المُتعلّقة بترسيم الحدود البحرية مع العدو الإسرائيلي والتنقيب عن النفط، ولكن أيضًا الصراع الأميركي ـ الإيراني والذي يطال لبنان من بوابة العقوبات على حزب الله والقطاع المصرفي.

حكومة مواجهة أو كما أسماها الأميركيون بحكومة «موالية لحزب الله»، ستجلب ردّ أميركي عبّر عنه تقرير صادر عن معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدّنى تمّ تقديمه إلى مجلس الشيوخ الأميركي من قبل أحد خبراء المعهد ومبني على فرضية وجود مثل هذه الحكومة.

التقرير ينص على شرح عن الواقع اللبناني خصوصًا مع الإحتجاجات الشعبية التي تطاله وصعوبة تشكيل الحكومة كما وفرضية إنشاء حكومة موالية لحزب الله ليعمد بعدها الكاتب إلى وضع سيناريو للردّ الأميركي. وينص هذا السيناريو على توقف الولايات المُتحدة الأميركية المساعدات التي تُقدّمها للجيش اللبناني مع منع كل المُساعدات الدوّلية للبنان سواء كانت مالية أو عينية. وبالتالي تجميد مؤتمر سيدر وأموال المشاريع التي كان من المفروض أن يتمّ تحريرها بعد تنفيذ شروط المؤتمر. وبحسب التقرير سيُصبح لبنان بعدها معزولا عن العالم على شكل فينزويلا.

وبحسب التقرير، المشاكل المالية التي تواجهها الخزينة العامّة، ستؤدّي حتمًا إلى توقّف الحكومة اللبنانية عن دفع أجور القطاع العام والمستحقات من الدين العام مما يعني إعلان إفلاس لبنان وإعادة هيكلة دينه العام. بإعتقادنا، هذا التقرير يُمكن وضعه في خانة التهديد حتّى ولو أن ما ورد فيه من معلومات تحوي على عدد من الحقائق.

الصعوبة التي يواجهها لبنان خصوصًا في تشكيل الحكومة، هي صعوبات ذات طابع دولي مع صراع أميركي ـ روسي، صراع أميركي ـ صيني، وصراع أميركي ـ إيراني. ويتواجد لبنان داخل هذه الصراعات، شاء أو لم يشأ، من بوابة الثروة النفطية القابعة في البحر، ترسيم الحدود مع العدو الإسرائيلي، والعلاقة بين حزب الله وإيران.

وفي ظل هذا الموقف الصعب، يقف لبنان المُتعلّق بالإستيراد وتدفّق رؤوس الأموال من الغرب، عاجزًا عن القيام بأية خطوات لتدارك التراجع الإقتصادي والمالي. فحكومة لون واحد ستكون شرارة إطلاق سيناريو معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، في حين أن حكومة إختصاصيين مُستقلّة عن الأحزاب لا تحظى بميثاقية سياسية.

الأمين العام لحزب الله سماحة السيد حسن نصر الله كان قد أطلق في إطلالة سابقة له خطّة بديلة تنص على الإنفتاح على الشرق وبالتحديد من بوابة الصين والعراق. وهذا الأمر يعني بكلّ وضوح إعادة تموضع إستراتيجي للبنان على الصعيد السياسي والإقتصادي.

ويبقى السؤال الأساسي: ما هي إحتمالات نجاح هذه الخطّة وتداعياتها المُحتملة؟ الجواب ليس بسهل خصوصًا أن لهذه الخطّة تداعيات إقتصادية، سياسية وحتى عسكرية. لذا سنكتفي بالإضاءة على الجانب الإقتصادي والمالي والنقدي.

الصعوبة الكبيرة هي في المرحلة الإنتقالية، فالتعلّق بالإستيراد من الخارج والتدفقات المالية على لبنان يجعل من هذه المرحلة كابوس كبير للبنانيين. هناك في المرحلة الأولى عقوبات أميركية ستُفرض على لبنان وستطال إستيراد السلع والبضائع، وهذا الأمر وحده سيُعقدّ الواقع الإجتماعي مع عدم قدرة لبنان على الإستيراد من الإتحاد الأوروبي، الدول الخليجية، الولايات المُتحدة الأميركية وغيرها من الدول التي ستخضع للقرار الأميركي أي ما يُشكّل أكثر من 60% من إستيراد لبنان! كذلك الأمر بالنسبة إلى التصدير مع خسارة أسواق للبضائع اللبنانية بأكثر من 51% من صادرات لبنان. أمّا على الصعيد النفطي، فسيُترّجم التصعيد الأميركي بتأخير في عملية إستخراج النفط.

من الناحية المالية، فرض قيود على تحاويل المغتربين اللبنانيين وعلى تدفقات المودعين والمُستثمرين سيؤدّي إلى تراجع داخلي في النشاط الإقتصادي وتراجع في المالية العامّة قد تكون عواقبه وخيمة وقدّ لا يخرج منها لبنان سليمًا. ولا يُمكن نسيان سعر صرف الليرة اللبنانية الذي سينهار حتمًا إذا ما تمّ فرض عقوبات على المصارف اللبنانية ومصرف لبنان، وهو ما قدّ يخلق فوضى كبيرة في الشارع اللبناني!

عمليًا إنتقال سريع في تموضع لبنان من الغرب إلى الشرق، سيخلق صعوبات كثيرة والأفضل في هذه الحالة التوجّه نحو تطبيق بطيء يمتدّ على عدّة سنوات لتفادي أيّة تداعيات سلبية على لبنان. وهذا الأمر يبدأ بتعديل الخطط التي وضعتها الحكومات السابقة والتي تعتمد بشكل أساسي على الإنفتاح على الغرب والتمويل من الغرب، لتتلائم مع الواقع الجديد.

على كلّ الأحوال، هذا الخيار يبقى محفوفًا بالمخاطر مهما كانت المنهجية المُتبعة، وهو ما يُبرّر التأخير في الإستشارات الإلزامية لتكليف شخصية مهام تأليف حكومة جديدة.