لا يمكن ان نكون الا مع الثورة السلمية والتي انطلقت للمطالبة بأبسط الحقوق للمواطن اللبناني المحروم والمقهور بعدما أمعنت السلطة السياسية في افقار اللبناني وتجويعه وتهجيره. ولا تزال هذه السلطة لا تصغي الى صرخة المواطن وهذا الامر واضح في كيفية تعاطيها مع الفراغ الحكومي والوضع المالي الصعب والدقيق حيث تستمر السلطة في المناورة والتحايل وعدم الالتزام بالاصول الدستورية.

وان نكون مع الثورة يعني ايضا اننا ضد «اسرائيل» ومع المقاومة فمن يثور على طبقة سياسية فاسدة يكون ايضا ضد عدو يريد سرقة مواردنا وابرزها الثروة النفطية. والحال ان تأييد الثورة السلمية ومطالب الناس المحقة والتي ارتكزت على مطالب معيشية واجتماعية يكون بطبيعة الحال مع المقاومة ووقوفها بوجه «اسرائيل» الحاقدة على لبنان والتي لا تريد له ان ينهض من القعر وان يزدهر. ولذلك الثورة على الفساد والهدر والسارقين واعلان العداء «لاسرائيل» ومساندة المقاومة مشروعان يتكاملان في سبيل تحقيق دولة توفر الخدمات والحقوق لابنائها ومقاومة قادرة على ردع اي تعد على سيادة لبنان وثروته سواء النفط او المياه.

انما في الوقت ذاته، بدأت الفتنة تطل برأسها على لبنان وباتت مناطق لبنانية تعيش جولات تصعيدية بين اطراف حزبية ومتظاهرين تابعين لثورة 17 تشرين وهذا امر خطير. بيد ان ثوار 17 تشرين لا يريدون الدخول في صراع مع حزب الله ولا يريدون ان يلوث التدخل الاجنبي وخاصة الاميركي ثورتهم لانهم يعلمون ان التدخل الاميركي يأتي دائما ضد مصلحة لبنان وابنائه جميعا من كل الطوائف. ولذلك هؤلاء المتظاهرين ليسوا خاضعين لاميركا مثلهم مثل انصار حزب الله، اما وجود بعض العملاء او المدسوسين لتخريب الثورة فهذا لا يجعل الثورة برمتها سيئة ولا يجعلها تشكل خطرا على سلاح المقاومة. والحال ان الشعب ليس السبب في التأخير والمماطلة في تشكيل الحكومة او الاعتراض على تمثيل حزب الله في الحكومة انما السبب الحقيقي يعود الى التجاذبات السياسية الحاصلة بين افرقاء الحكم والتيارات الحزبية انفسهم. وايضا «الفيتو» لعدم دخول حزب الله للحكومة لم يأت من الثوار بل اتى علنا من الادارة الاميركية وتوجه عربي على رأسه السعودية فلماذا اصبح الثوار كبش فداء لذنب لم يقترفوه؟

صحيح ان الثوار تمسكوا بشعار «كلن يعني كلن» بهدف الاظهار انهم مستقلين وان انتفاضتهم ليست موجهة نحو طرف سياسي واحد وان ثورتهم لا يدعمها اي حزب سياسي وقد اظهروا ذلك في عدة مناسبات عندما حاول رئيس حزب الكتائب الاشتراك في التظاهرات، فرفض الثوار ذلك كما رفضوا محاولة القوات اللبنانية التغلغل في الثورة فتصدى الثوار لها.

من هنا، التصادم الذي حصل في الايام الماضية بين انصار حزب الله وحركة امل من جهة وبين ثوار 17 تشرين الاول لا يخدم مصلحة لبنان بل يؤدي الى المزيد من التوتر والاحتقان ويدخل البلاد في مخاطر كبيرة نحن بغنى عنها.

من هنا، وبعدما شهدنا احتكاكات عنيفة في رياض الصلح وعلى جسر الرينغ وفي صور وعين الرمانة والشياح، بات دور الجيش اللبناني اساسياً وضرورياً لحفظ الامن والضرب بيد من حديد لمن يحاول قطع الطرق التي لا تتماشى مع ثورة سلمية وحضارية وعدم القبول بالاعمال التخريبية التي تؤذي الوطن وتترك جرحاً عميقاً في نفوس اللبنانيين.

اليوم ، وفي ظل تفاقم الوضع وظهور شارع مقابل شارع، يصبح الدور لجيشنا البطل والحامي للسلم الاهلي والامن والاستقرار في ابعاد شبح الفتنة عن لبنان ولذلك نتوقع تعزيزات ضخمة للجيش في مناطق عدة في لبنان وتحديدا في مناطق لها حساسيتها. ذلك ان الفتنة واذكاء الطائفية والمذهبية والرجوع الى انقسام عامودي بين الشعب اللبناني يعود بنا الى الوراء خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يمر بها لبنان الذي هو على شفير الافلاس وقد دخل الازمة الاقتصادية وهو في قلب العاصفة. فاذا كانت السلطة السياسية لا تتسم بمسؤولية وطنية في احلك الظروف تجاه شعبها، فلا يبقى لنا الا ان نعلق امالنا على الجيش والدور الذي هو قادر على لعبه في حماية لبنان من الوقوع في فخ الفتنة.