بدا حتى حينه أن ثمة قوى في هيكلية السلطة تسعى لتدجين الحراك وتفكيكه في الوقت ذاته، نظرا لخوفها من نجاحه في خطواته التي أوجدت واقعا جديدا في البلاد.

ففي ما خص تدجين الحراك، تمارس هذه القوى الغارقة في الفساد عملية تجاهل لمطالب الحراك والاستخفاف بحجمه متوقعة بذلك احباطه منعا للمضي في مطالبته بمحاسبتها واسترجاع الاموال المنهوبة التي ارتكبتها هذه القوى على أكثر من صعيد حيث توزعت بين مشاريع وصفقات وتلزيمات لأن الهدف هو تيئيس هؤلاء الناس، وتراجعهم عن مطالباتهم بالمحاسبة بحيث قد يطال الامر رؤوسا كبيرة وبذلك يكون «الحرامية» في السلطة أنقذوا ذاتهم اذا اضمحل حضور وتأثير هذه الثورة التي تقض مضجع هؤلاء الذين يستفرسون للدفاع عن مكتسباتهم بمحاولاتهم دفع هذا الحراك للفشل.

وأيضا حتى لا يقدم هذا الحراك على اي ردة فعل أو اعتراض في حال تشكلت حكومة لا تتلاقى مع تطلعاته ولا تحمل عناوين المحاسبة والشفافية، عندها يدخل هذا الحراك في سبات عميق بحيث يفقد حيويته وحماسته في المستقبل ليعود هؤلاء الى السرقات والمحسوبيات كأن شيئا لم يكن.

أما تفكيك الانتفاضة، فيأتي من خلال الصدامات الموجهة والتي تهدف الى وضع شارع في مواجهة شارع آخر على غرار ما حدث في الايام الاخيرة في اكثر من منطقة من اجل تحويل الانتفاضة الوطنية الشعبية الى مجموعات تدخل في سجالات مع مجموعات حزبية، ويؤدي سقوط الدماء والضحايا الى ترهيب الثوار بما يدفعهم الى الانكفاء عن المضي في مطالبهم وحراكهم ويعودون الى منازلهم خاسرين فاقدي الأمل في مقابل نجاح هذه القوى الفاسدة في ترهيبهم وتفكيكهم.

وفي ظل هذا الواقع تمكن الجيش اللباني والقوى الامنية الاخرى رغم الاحتكاكات التي حصلت في بعض النقاط من تأمين حماية التحرك الشعبي في ظل ضغط سياسي ومواقف تهويلية في اتجاه هذه القوى العسكرية والامنية لاستعمال القوى المفرطة في أكثر من مكان علّ ذلك يؤدي الى انفضاض الحراك في بعض الامكنة التي شهدت نوعا من التماس بين القوى الامنية والناشطين.

والمطلوب في منطق القوى السياسية الرافضة للانتفاضة ان يصل الجيش الى أعمال تقارب القمع بهدف شلّ هؤلاء من التحرك وكذلك اضفاء صفة سلبية عليهم بإظهارهم مشاغبين اذا ما توسعت الاحتكاكات بين الجيش والناشطين الذين لا يزالون يعبرون عن تقديرهم وحبهم لهذه المؤسسة التي يعتبرونها ضمانتهم ،وطالها الاجحاف والظلم من خلال سعي قوى السلطة التي تحاول الاستقواء بالجيش اللبناني والقوى الامنية ان تقتطع من ميزاينية هؤلاء الذين يشكلون ضمانة في السلم الاهلي وفي مكافحة الارهاب.

وفي المجال السياسي، بدا ان التدجين يطغى على التفاهمات المسبقة لتشكيل الحكومة من خلال ما يحصل من اتصالات مع رئيس الحكومة المستقيل سعد الحريري لان يتولى الحكومة المقبلة وفق شروط كل من الرئيس ميشال عون ورئيس التيار الوطني الحر جبران باسيل والثنائي الشيعي الممثل بحركة أمل وحزب الله.

اذ ان المطلوب من الحريري ان يضع رصيده السياسي والمعنوي ليترأس حكومة وتأمين تغطية سياسية لها في حين سيرفضها الشارع نظرا لأنها لا تأخذ في عين الواقع التحولات التي شهدها لبنان منذ 17 تشرين الاول.

واما طلب حزب الله من عون عدم تحديد الاستشارات النيابية حتى استكمال الاتصالات والتفاهم مع الحريري، فلن يوصل الى نتيجة جديدة تدفع بالحريري للتراجع عن قناعاته لصالح مطالب تحالف عون - الثنائي الشيعي، لأن المرحلة تتطلب فريق عمل متجانساً ليس على مثال ما ضمته الحكومة الحالية من وزراء مارسوا التجاوزات على غرار زيارة أحد الوزراء لسوريا في الاسبوع الاول من تشكيل الحكومة أو تعطيل التيار الوطني الحر لجلسة الحكومة من خلال مقاطعتها والاجتماع في وزراة الخارجية عند باسيل معطلين بذلك مسارا حكوميا يهدف لتأمين الاستقرار وتعزيز الاقتصاد في وقت يتحرك الحريري دوليا من أجل تأمين دعم مالي للبنان سواء اكان من خلال مؤتمر سيدر او هيئات دولية أخرى.

فالحريري حسب محيطين به، لن يقبل أن يكون مطوقا في حكومة يترأسها وعلى عاتقها تحديات باتت واضحة للعيان في وقت القوى الاخرى، لا تراعي حركة الشارع ولا تقدر التحديات الاقتصادية التي يعانيها لبنان والتي أوصلت البلاد الى هذا الانقباض النقدي والمالي. وان اعادة احيا ءالتسوية الرئاسية بالقوة من خلال ممارسات الشارع لن يوصل الى نتيجة ،بعد ان كان منطق القوة فرض هذه التسوية نتيجة تعطيل الانتخابات الرئاسية وتمديد الفراغ..

وعلى ما بات يقينا هو ان محاولات تسويق فعاليات سنية لرئاسة الحكومة لا يلقى قبولا من الشارع، ولا سيما السني الذي يتمسك بعودة الحريري الا ان هذا الامر غير واقعي خصوصاً ان هناك شخصيات سنية مشهود لها بالنزاهة والشفافية، وما يُقال بان الخيارات محصورة فقط بالحريري رغم اعلانه عن عدم رغبته بالتكليف والتشكيل هو غير صحيح لان الطائفة السنية تكتنز اشخاصاً ملمّين بالاوضاع الاقتصادية والمالية ولديها رؤيتها الانقاذية.

وهناك من يقول ان الرئيس العماد ميشال عون متمسّك بعودة الحريري لتحويل اموال «سيدر» الى واقع يمكن تحقيقه حتى تعود الدورة الاقتصادية والمالية في البلاد الى طبيعتها.