ما ينتظرنا أكثر كارثية بكثير مما حدث في سوريا اذا ما بقيت الشوارع، هكذا، مشرعة، على كل الغرائز، على كل الرياح...

ثمة غرفة عمليات، في مكان ما، هي التي تأمر بقطع الطرقات، وبتنظيم التظاهرات، وبتوقيت الاضرابات. لا يمكن أن يحدث هذا عشوائياً أو كردات فعل أوركسترالية. أي ثورة تدار من قبل الأشباح؟

ينبغي أن تظهر الأشباح في الضوء. أن تخلع أقنعتها. أن تقول للناس «هذا نحن، وهذه هي استراتيجيتنا للتغيير»، لا أن نبقى الدمى تصرخ في العراء. أي فارق هنا، في تعليب الناس، بين كرادلة الدولة وكرادلة الثورة؟

من يتابع بعض الشاشات العربية الكبرى لا بد أن يصاب بالهلع. هل مهمة تلك الشاشات أن تنقل الأحداث (وأن تحلل) أم أن مهمتها الاثارة السياسية، والاثارة الطائفية، التي ما برحت تدمر البلد العربي تلو الآخر؟

هناك من يدفع، ان لم يكن يخطط، للانفجار. الاتصالات الدولية مع أكثر من عاصمة عربية حدت من هيستيريا بعض الرؤوس الحامية والتي كانت تعتبر أنها اللحظة الذهبية لاحداث تغيير دراماتيكي في المعادلات اللبنانية.

أين المنطق في أن يبقى الرئيس سعد الحريري كما «أبو الهول» على مدى الأربعين يوماً المنصرمة، لينطق أخيراً بشعار «ليس أنا بل أحد آخر»؟ حين يبتعد هو كيف يبقى الآخرون؟ الطبقة السياسية مثل البيت الصيني ان سقط أحد الأعمدة سقط البيت برمّته.

هذه دولة تقوم على التوازنات الطائفية الشديدة الهشاشة. كان الرهان على حكومة تكنوسياسية برئاسة الحريري كونه الأقوى سنياً في ساحة النجمة، كما في سائر الساحات الأخرى. حتماً، سيكون هنالك من يحاول توظيف ابتعاده طائفياً، دون أن يأبه بالقارب الذي يغرق. كاد أفيخاي أدرعي أن يصلي لـ«الملائكة المدمرة» من أجل أن تغرق تلك... التيتانيك!

يبقى على القوى السياسية أن تنتقي رئيساً للحكومة بالمواصفات الأخلاقية، وبالكفاءات العملانية، الاستثنائية التي تمكنه من التعاطي بفاعلية مع الخيارات الخاصة بمعالجة الأزمة. آن الأوان للوجوه الجديدة، والبعيدة عن التلوث السياسي، والطائفي، أن تفرض الصورة الأخرى للجمهورية.

هذا الوقت الخطير ليس للأشباح، وسواء كانوا في السلطة أم في الشارع. التأليف ينبغي أن يكون سريعاً، ومؤثراً. الموفدان الفرنسي والبريطاني لم يعارضا تشكيل حكومة مختلطة ببرنامج واضح، يتفاعل مع مقتضيات الاصلاح، ويحظى بالصدقية الداخلية والدولية. المهم أن تشرق شمس الغد دون أن تسقط القسطنطينية...

الذي جرى على الأرض، وان وجد من يستوعب تلك الأيدي العارية، والنظيفة، والمعذبة، لأغراض جهنمية، لا بد أن يترك أثراً في المسار السياسي، وحتى في المسار الأخلاقي، للجمهورية.

لبنان في مرحلة انتقالية. لا بد من حكومة انتقالية تتولى ادارة المرحلة، دون أن يكون بالامكان القفز، بالصدمات الكهربائية، أو بالصدمات الدموية، من كونسورتيوم الطوائف الى الدولة المدنية التي، وبالصوت العالي، هي الخيار المثالي للانتقال بالدولة من الاجترار التراجيدي للأزمات الى الدخول في ثقافة القرن.

على مهراجات الطوائف الاعتراف بأنهم (جميعاً) أخفقوا في ادارة الجمهورية الثانية. الجمهورية الثالثة، وحيث ينتفي الاطار الهرم للدولة بمجلس نيابي لاطائفي، وبمجلس شيوخ يؤمن ما يمكن أن يسمى بـ«التوازن السيكولوجي»، أكثر منه التوازن الدستوري، بخاجة الى رجال من طراز آخر.

الطبقة السياسية أمام اختبار بالغ الدقة. اختيار الوجوه خارج منطق المحاصصة، بأبعادها المروعة، على أن تتولى حكومة اقتصادية داخل الحكومة، وضع الخطة الخاصة ليس فقط بالاصلاح الهيكلي للمالية العامة، بل وايضاً ببلورة فلسفة اقتصادية تنقل البلاد من الاقتصاد الريعي الى الاقتصاد الانتاجي.

المهمة صعبة ومعقدة. ليست بالمهمة المستحيلة. الأشباح تعود الى حيثما كانت في شقوق الجدران...