بعد مرور ما يزيد عن 40 يوما على بدء التحركات في الشارع، يمر البلد اليوم بمرحلة أمنية دقيقة جدا، خصوصا بعد سقوط مزيد من الضحايا بسبب الوضع القائم، وارتفاع صرخات الناس المطالبة بحدّ ادنى من ضمان فتح الطرقات، لأن الوضع الاقتصادي الضاغط لن يرحم أحدا، ومن قبض نصف راتب الشهر الماضي قد لا يقبض راتبا هذا الشهر.

تعلم مصادر أمنية رفيعة أن الانفجار الإجتماعي سيكون الشرارة الأولى لأي إنفجار أمني، مع العلم أن اللعبة الامنية باتت سياسية ولأهداف سياسية، وبالتالي فإن سياسة التعاطي الهادىء مع المتظاهرين قاطعي الطرق لم تعد تنفع، لان المطالب ليست حياتية مطلبية اجتماعية، والمتظاهرون هؤلاء لا يريدون بناء وطن أفضل بل يريدون استعادة نغمة التفاوض الحكومي على وقع الصدامات في الشارع.

في الساعات الـ 48 الماضية كان يكفي الفتنة لكي تنضج أن تسقط نقطة دم واحدة في شوارع بيروت، فما حصل على «الرينغ» يوم الأحد ليلا واستمر حتى فجر الاثنين كان حصيلة استفزازات استمرت طيلة 40 يوما لجمهور حزبيّ واسع. وتشير المصادر الأمنية الى أن التحقيقات التي أجرتها أجهزة معنية توصلت الى أن ما جرى كان سببه انتشار «فيديو» فيه شتيمة لأمين عام حزب الله، علما أن من صور الفيديو ونشره كان يعلم تماما النتيجة التي سيؤدي اليها، خصوصا في تلك المنطقة الجغرافية في بيروت.

وتلفت المصادر الأمنية النظر الى أن قرار الجيش كان يومها السماح للطرفين بالتعبير عن الغضب وتنفيس الاحتقان، شرط عدم التصادم وهذا فعلا ما حصل، علما أن هذا القرار يجده البعض مستغربا، وطالب بالحسم الفوري، مشيرة الى أن قرار الحسم بالقوة لو اتخذه الجيش يومها لكان هؤلاء المطالبين أنفسهم سيتهمونه بالانحياز لصالح طرف على حساب الآخر. وتضيف: «قرار الحسم على الرينغ اتخذ بلحظة توجه مجموعات من منطقة الأشرفية الى منطقة التظاهر، وإطلاق شعارات طائفية، الأمر الذي بدأ يوحي وكأن الأمور متجهة نحو خلاف مناطقي طائفي، بعد أن كانت محصورة بخلاف سياسي».

الى جانب حادثة «الرينغ» التي دقّت ناقوس خطر جرى التحذير منه طيلة الفترة الماضية التي شهدت قطع طرقات، توقفت المصادر الأمنية مطوّلا عند الأحداث التي وقعت مساء الإثنين، وشهدت للمرة الاولى في هذه الأحداث سماع أصوات رصاص، كاشفة أن مصدر الرصاص كان أبنية في الطريق الجديدة، والأعيرة النارية أُطلقت في الهواء ولم يكن القصد منها إصابة أحد، بل التهويل والتخويف واستثارة فتن، الامر الذي لا يمكن للقوى الأمنية والجيش تحمّله.

وتكشف المصادر أن الاحزاب مساء الاثنين انتشرت في مناطق تواجدها، انتشارا غير مسلّح ولكنه يقودنا الى ما لا يُحمد عقباه، متحدثة عن تواجد لتجمعات حزبية داخل شوارع عين الرمانة، وعلى المفارق، تحسبا ربما لدخول مواكب الدراجات النارية، التي وللمناسبة ستعمل قيادتا حزب الله وحركة أمل على محاولة ضبطها، وهذا ما أبلغت به القيادتان الأجهزة الأمنية. وتضيف: «إن انتشار الشباب في المناطق يقود الى صناعة متاريس ولو فكرية، قد تتحول مع تقدّم الأزمة الى متاريس حقيقية، وهنا أصبح لا بد من تعاط مختلف مع الواقع على الأرض».

وعليه، بعد هذه المعطيات، لن يقبل الجيش أن يتحمل وحده مسؤولية أمن الشارع «السياسي» خصوصا بعد أن بات واضحا أن الشارع أصبح صندوق بريد لرسائل سياسية، وتحريكه عبر قطع الطرق يأتي في هذا السياق، وبعد محاولات إلباس الجيش مسؤولية موت حسين شلهوب وسناء الجندي على اوتوستراد الجنوب بيروت، كان القرار باعتماد سياسة جديدة مع قطع الطرق عنوانها الشدة واستخدام القوة والحسم، وهنا تؤكد المصدر أن قرار قائد الجيش بعدم السماح بقطع الطرقات سيُطبق بقوة اكبر، ولكن هذا لا يعني أن الجيش سينتشر على كامل الطرقات اللبنانية لأنه لا يستطيع فعل ذلك، ولكنه سيتعامل بحزم مع قطع الطرقات وسيعمد لفتحها فور وصوله إليها.