دخل لبنان النفق، مع انسداد الحل السياسي لازمة تشكيل الحكومة، التي لم يعد الخلاف حول شكلها محلياً، بل ارتبط بمخططات خارجية، اذ تحدث السفير الاميركي الاسبق في بيروت جيفري فيلتمان عن «حكومة تكنوقراط»، وقد سبقه الى ذلك وزير الخارجية الاميركي مايك بومبيو الذي اشار الى انه يدعو لحكومة خالية من حزب الله، في وقت اعلنت روسيا على لسان مسؤوليها، وفي مقدمهم وزير الخارجية سيرغي لافروف، بانها تؤيد حكومة سياسية تمثل الوفاق الوطني، في حين تدعو الصين الى حكومة وحدة وطنية، ويأمل الاتحاد الاوروبي ان يتفق اللبنانيون على تأليف الحكومة باسرع وقت.

هذا التجاذب الدولي حول شكل الحكومة في لبنان، له صدى في الداخل اللبناني، بين اطراف السلطة، كما بين صفوف «الحراك الشعبي»، الذي ليس لديه تصور واحد او قراءة موحدة للخروج من الازمة التي بدأت تضغط على الوضع الامني، بعد الجفاف في السيولة، وعدم تلبية المصارف حاجة المودعين، تحت عنوان الادارة النقدية، بعد ارتفاع سعر صرف الليرة امام الدولار، اذ بدأ القلق ينتاب المواطنين، اقتصادياً واجتماعياً مع الاشكالات الامنية التي ظهرت مع قطع الطرقات المتكرر وعلى توقيت لم يعد بريئاً من قبل اطراف في الحراك، الذي انقسم بين رافض لاقفال اي طريق، ومن يؤيد اغلاقها في خطوات تصعيدية، تدفع باركان السلطة الى التسليم بمطالب المتظاهرين الذين يرفضون عودة اي رمز من رموز السلطة، المتهمين بالفساد ونهب المال العام.

فبعد اعلان فيلتمان عن موقفه بحكومة تكنوقراط الذي نصح ادارة بلاده، ان تؤيدها، بالاستناد الى الاحتجاجات في الشوارع والساحات، والتي يرى فيها فرصة مناسبة، لاخراج حزب الله منها، ونزع الشرعية عن سلاحه متلطياً بمؤسسات الدولة، التي يصادر قرارها وفق المسؤولين الاميركيين، وتؤيدهم قوى سياسية وحزبية لبنانية، منها من يتظاهر ويقطع الطرقات، والتي رصدها حزب الله وفق ما تكشف مصادر امنية، التي تشير الى انه جرى تحذير الحراك من استغلال مطالبه الاجتماعية والمعيشية والخدماتية، ومحاربة الفساد، وهي كلها محقة، وتقع في اولى اهتمامات حزب الله الذي بات قلقاً، من ان يتم استخدام بعضاً من في الحراك، بما يخدم المشروع الاميركي الذي يطالب بنزع سلاح المقاومة، لحماية اسرائيل وامنها.

من هنا، فان صبر حزب الله وحلفاء له، ومن بينهم حركة «امل» و«التيار الوطني الحر»، قد نفد، بعد طول انتظار الذي لم يعد يعمل لصالح هؤلاء الذين سعوا الى ان يعاد تكليف الرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة، لكنه وضع شروطاً، في اول بنودها ان تكون «تكنوقراط».

حيث رأى فيها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون، بانها مخالفة للدستور الذي نص بعد اتفاق الطائف، على ان تتألف حكومات سياسية، لان مجلس الوزراء يمثل السلطة السياسة والتنفيذية مجتمعاً، وهو يتشكل كما رئيس الحكومة، من استشارات نيابية، تمثل نتائج الانتخابات.

فالحكومة شكلاً وتكليفاً وتأليفاً، باتت صناعة خارجية، وليست لبنانية، لان لها هدف سياسي، وفق ما تقول مصادر مقربة في حزب الله الذي ينظر بكثير من الحذر الى الوضع الحكومي، حيث فتح الحريري الباب لازمة مفتوحة، والى فراغ قاتل، ونحو مصير مجهول، بدأ يعكس توتراً في الشارع الذي بدأت المواجهات فيه، في اكثر من منطقة، والتي لم تسقط دماء فيها، ويسعى الجيش الى الفصل بين المتظاهرين ومناهضين لهم، حيث يشعر «الثنائي الشيعي»، بان في الحراك من يستخدم اطرافاً فيه، ضد المقاومة وسلاحها، وان هذا رهان اميركي و«اسرائيلي»، وما قطع الطرقات الا لاستعجال الاقتتال الداخلي، الذي تم التحذير منه.

فتشكيل الحكومة في لبنان، بات صناعة دولية - اقليمية، بعد ان كان شأنا داخلياً، لان الهدف السياسي يتقدم على انقاذ الوضع المالي والاقتصادي.