كان ينقص المشهد اللبناني الداخلي المُتأزّم والذي يدور في حلقة مُفرغة بسبب تمسّك الأطراف المَعنيّة بمواقفها المُتشدّدة من تركيبة الحُكومة المُقبلة، وعدم تقدّم أيّ جهة فاعلة بمُبادرة إنقاذيّة لتقريب وجهات النظر، دُخول العديد من الأطراف الخارجيّة على خط الأزمة، لتتضاعف العقد ولتتشعّب أكثر فأكثر!

وفي هذا السياق، كشف مصدر ديبلوماسي لبناني أنّ ما يحصل من حراك خارجي على مُستوى الأزمة اللبنانيّة الحاليّة المُستفحلة، كان يُمكن أن يأتي ربّما بنتائج إيجابيّة فيما لوّ كان عبارة عن مُبادرات لتقريب وُجهات النظر، لكنّ ما يحصل - بحسب المصدر، هو أقرب إلى التدخّلات في الشؤون اللبنانيّة الداخليّة منه إلى مُبادرات التسوية التي كان يُمكن أن تُقرّب المسافات المُتباعدة. ولفت إلى أنّ ما عقّد المشهد الداخلي هو التفاوت في وُجهات النظر بين هذه القوى الخارجيّة التي كثّفت تحرّكاتها على خطّ الأزمة اللبنانيّة خلال الأيّام القليلة الماضية، مُوضحًا أنّ الأميركيّين يرفعون لائحة مطالب أمنيّة - سياسيّة ويربطون تشكيل الحُكومة اللبنانيّة المُقبلة بها، لا سيّما لجهة ضرورة إخراج حزب الله منها وتخفيف نُفوذه في الحياة السياسيّة الداخليّة، في حين أنّ الفرنسيّين يرفعون مطالب إقتصاديّة - ماليّة بالدرجة الأولى، وهم يركّزون على أن تكون الحُكومة المُقبلة قادرة على تنفيذ تعهّدات الإصلاح ومُكافحة الفساد ووقف الهدر، بغضّ النظر عن تركيبتها. وتابع المصدر الديبلوماسي نفسه أنّ الموقف البريطاني يقع في مكان وسطي بين الموقفين الأميركي والفرنسي، لجهة الجمع بين المطالب الإقتصاديّة والماليّة من جهة، وتلك الأمنيّة والسياسيّة من جهة أخرى، لكن من دون الذهاب بعيدًا في التشدّد بالتمسّك بهذه المطالب ـ كما حال الأميركيّين.

وأكّد المصدر الديبلوماسي اللبناني أنّ مدير الشؤون السياسيّة في وزارة الخارجيّة البريطانيّة ريتشارد مور، الذي جال على كبار المسؤولين الرسميّين أمس، طالب بضرورة الإسراع في تشكيل حُكومة لبنانيّة جديدة، تأخذ مطالب الشارع في الإعتبار. وأضاف المصدر أنّ الموفد البريطاني شدّد على أنّه لم يعد مُقبولاً على الإطلاق هدر المزيد من الوقت، بدلاً من المُسارعة إلى إطلاق ورشة النهوض من جديد بالقطاعين الإقتصادي والمالي، بالتزامن مع إجراء إصلاحات جذريّة في تركيبة إدارات الدولة وفي أساليب عملها، لوقف مزاريب الهدر، ولوضع خُطة مُتكاملة لمُكافحة الفساد. ولفت المصدر الديبلوماسي نفسه إلى أنّه - وبحسب المًعلومات المُتوافرة، لم يدخل المُوفد البريطاني بتفاصيل التركيبة الحُكوميّة المُقبلة، ولا هو أبدى أيّ تمسّك بإسم أيّ شخصيّة لترأس الحُكومة، لكنّه إكتفى بالمُطالبة بحكومة غير تقليديّة تستجيب لمطالب المُتظاهرين، والأهم أن تكون قادرة على القيام بورشة الإصلاحات الشاقة والطويلة، من دون عراقيل سياسيّة من داخلها.

وكشف المصدر الديبلوماسي اللبناني أنّ التدخّل الأميركي هو الأخطر، مُشيرًا إلى تدخّل الكونغرس الأميركي بعمل جلسة مجلس الأمن الدولي أمس، والتي تناولت مدى الإلتزام بالقرار الأممي رقم 1701، حيث حثّ ما مجموعه 240 عُضوًا في الكونغرس الأميركي، في رسالة بعثوها إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريس، المُجتمع الدَولي على التصدّي لأنشطة «حزب الله»، في الوقت الذي مارس الكونغرس الأميركي ضغطًا كبيرًا على خارجيّة بلاده، لربط أي مُساعدة عسكريّة للجيش اللبناني من اليوم فصاعدًا بمدى إستعداد الجيش للوقوف بوجه «حزب الله»، ومنعه من التحرّك أمنيًا بحريّة على الحُدود الجنوبيّة!

وبحسب المصدر الديبلوماسي اللبناني، إنّ الإجتماع الثلاثي الذي كان قد عُقد في باريس الأسبوع الماضي، والذي ضمّ الولايات المتحدة الأميركيّة وفرنسا وبريطانيا مُمثّلين على التوالي بكلّ من مُعاون وزير الخارجيّة الأميركيّة لشؤون الشرق الأدنى ديفيد شينكر، ومدير دائرة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في وزارة الخارجيّة الفرنسيّة كريستوف فارنو والمسؤول عن مُتابعة مُقررات مؤتمر «سيدر» بيار دوكان، وكذلك المسؤولة في وزارة الخارجيّة البريطانيّة ستيفاني الكاق، إضافة إلى السيّد ريتشارد مور، إلخ. تناول ضرورة تشكيل حكومة تحظى بالثقة وقادرة على تنفيذ الإصلاحات المَطلوبة بسرعة، تجنّبًا للإنهيار الشامل.

وأضاف المصدر نفسه أنّ هذا اللقاء إستتبع بتحرّك فرنسي نحو المَملكة العربيّة السعوديّة، حيث جرى استكمال مُشاورات سابقة بين الطرفين، لتنسيق المواقف بشأن إمكان عقد لقاء على مُستوى دَولي واسع، لتأكيد الوقوف العربي - الغربي إلى جانب لبنان، ولوضع خريطة طريق دَوليّة تُساعد لبنان على الخروج من أزمته. ولفت إلى أنّ الوضع اللبناني سيكون أيضًا مدار نقاش في خلال إجتماع لمُمثّلين عن البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ غدًا الأربعاء أيضًا، ما يفتح الباب أمام المزيد من الآراء والتدخّلات.

وختم المَصدر الديبلوماسي اللبناني كلامه بالتحذير من أنّه كلّما تأخّر المسؤولون في لبنان، في حسم مواقفهم وفي مُعالجة خلافاتهم، لتمهيد الطريق أمام ولادة حُكومة جديدة خلال فترة زمنيّة قصيرة، كلّما شرّعوا الأبواب واسعة أمام مزيد من التدخّلات الخارجيّة في شؤونهم. وقال إنّه عندها ستكون الأمور أشدّ تعقيدًا مِمّا هي عليه اليوم، لأنّ هويّة رئيس الحُكومة، وحجم التمثيل السياسي فيها، ومسألة التوازنات الداخليّة، والثلث الضامن، وغيرها من التعقيدات الداخليّة، ستُصبح ثانويّة أمام تعقيدات التدخّلات الخارجيّة، لجهة المُطالبة بإبعاد هذا الفريق أو ذاك، وبتنفيذ هذه الأجندة أو تلك!