يوماً بعد يوم، يدخل المسار السياسي في البلاد في مرحلة اصعب واكثر خطورة مما سبقه، على خلفية تفاقم ازمة التكليف والتأليف لاستحالة تقريب المواقف من طبيعة الحكومة الجديدة، في ضوء اصرار الحريري والفريق الداعم له على حكومة تكنوقراط، واصرار العهد والقوى الداعمة له على حكومة تكنوسياسية، ما يطرح مخاطر وتساؤلات حيال التمترس وراء شروط وشروط مضادة يمكن في حال كانت النوايا ايجابية التوصل الى مخارج لموضوع تأليف الحكومة، رغم ان تمسك الحريري بمقولة حكومة التكنوقراط تأكيد للمثل القائل «وراء الاكمة ما وراءها»، وبالتالي من يريد الجواب عليه التفتيش عما يريده الاميركي.

ودخل عنصر تعقيد جديد في الساعات الماضية على مسألة الحكومة على صلاحياتها وطلب الرئيس سعد الحريري صلاحيات استثنائية واسعة ولو انه لم يحسم موقفه من حيث نيته تشكيل الحكومة او تسميته شخصية اخرى.

وما ادخل الخوف والقلق لدى اللبنانيين جميعاً ما حصل على حسر الرينغ ليل اول من امس، فبغض النظر عن ضرورة ابتعاد الانتفاضة الشعبية عن لعبة قطع الطرق، لما تحدثه تداعيات خطيرة على الوضع الداخلي من جهة، والاشارات المذهبية التي تخللت الاشتباك في المنطقة، فإن ما حصل كان يمكن ان يقود الى دخول البلاد في انقسام طائفي - مذهبي من شأنه ان يقود الى الفوضى والحرب الاهلية فيما جميع اللبنانيين استبشروا خيراً بظواهر الوحدة الوطنية بعيدا عن الانقسامات المذهبية والطائفية. رغم ان بعض الاطراف من تيار المستقبل الى القوات اللبنانية والحزب الاشتراكي وركبوا موجة الحراك الشعبي لغايات اساسها التناغم مع ما يريد الخارج من لبنان خاصة الادارة الاميركية.

لكن وبعيداً، عن المخاطر السياسية التي دخلتها الساحة الداخلية نتيجة انسداد الافق امام مسألة تشكيل الحكومة، يبقى الانهيار المالي والاقتصادي والحياتي بكل ما فيه من تداعيات خطيرة على لبنان واهله في ضوء ما بلغته هذه القضايا في الاسابيع والايام الماضية من شبه انهيار في كل شيء الاكثر خطراً لدفع لبنان نحو الفوضى والافلاس ومعه دفع اللبنانيين نحو الفقر المدقع، وفقدان ما جنوه طوال حياتهم من توفير «لقرش وراء القرش» ليومهم الاسود، وكذلك فقدان الفئات الفقيرة واصحاب الدخل المحدود للقمة عيشهم في القطاعين العام والخاص، بالتوازي مع دخول البلاد في نفق مظلم سياسياً، وهو ما يعني - بحسب سياسي عتيق معني بالملف المالي والنقدي - ان عامل الوقت واضاعة الفرص لم يعد يسمح او يتيح لكل المعنيين في الدولة على المستويات السياسية والمالية والنقدية اعتماد منطق «رمي الكرة» في ملعب الاخرين وبالتالي اللجوء الى لعبة «الرقص على حافة الهاوية».

فالقوى السياسية المختلفة بدءا من رئيس الحكومة المستقيل ومعه الجهات المالية والنقدية يمارسون لعبة «الهروب الى الامام» بدل العمل الجدي للحد من تداعيات هذا الواقع المأزوم، وتحديداً على المستوى النقدي بالدرجة الاولى والمستويات المالية والاقتصادية والحياتية من جهة ثانية.

والاخطر في كل هذه الازمة التي لامست حدود الانهيار والفوضى ترك سعر الدولار على «غاربه» في الايام الماضية، ما يؤكد ان كل ما قيل عن اجراءات نقدية ومالية للسيطرة على الموضوع النقدي وتداعياته على كل ما له علاقة بحياة المواطنين وتأمين حتى ضرورات حياتهم اليومية اضافة الى الارتدادات الخطرة ايضاً، على ما تبقى من صناعات وطنية وعلى ما تبقى من دورة اقتصادية، فكل اللبنانيين وبالحد الادنى اكثريتهم، وفق المصدر السياسي، اصبحوا تحت خط الفقر، وبينما الاف المؤسسات التجارية والصناعية الزراعية مهددة بالاقفال.

وهذا الانهيار - كما يؤكد السياسي المعني - يتجه بسرعة نحو انهيارات اوسع واشمل، في ظل استغلال الواقع السياسي من قبل الجهات النقدية والمصرفية، ومعهم مافيات معروفة بهدف ضرب سعر العملة الوطنية وإيصالها الى ما فوق الثلاثة آلاف ليرة، بعد ان وصلت في الايام الاخيرة الى اكثر من الفي ليرة فيما وضعت ضوابط مشددة غير مسبوقة امام المودعين وسحوباتهم حتى ولو كانت هناك حاجة ضرورية لهذه السحوبات سواء المواطنين او اصحاب المصالح، بعد ان عمدت الحكومات المتعاقبة والجهات المالية والنقدية الى «دولرة» االاقتصاد اللبناني، حتى في اصغر التفاصيل المتصلة بحياة اللبنانيين، واليوم تريد تحميل الفقراء واصحاب الدخل المحدود نتائج هذه السياسات، كما هي الحال على مستوى نهب المال العام، وحيث كل الذين تعاقبوا على السلطة ومعهم المحظيون وحيتان المال براء من كل هذا الانهيار، ومن اضاعة او صرف مئات مليارات الدولارات في كل اشكال النهب المنظمة والمقوننة منها وغير الشرعية.

ولذلك، يبدي السياسي العتيق قلقاً وخوفاً على مصير لبنان واللبنانيين، لم يشهد مثيلاً له منذ الاستقلال حتى اليوم، حتى انه يصل الى قناعة وكأن هناك اصراراً على ايصال البلاد الى الانهيار المالي والاقتصادي وربما الفوضى والحروب الطائفية انطلاقاً من استقالة كل الاطراف والجهات الاخرى المعنية في الدولة عن دورها من خلال اتخاذ اجراءات لتجاوز هذه المرحلة بأقل الخسائر على الدولة والمواطنين على حد سواء، بحيث يطرح السياسي المذكور جملة تساؤلات وعلامات استفهام كما هو قادم عليه لبنان، بالتوازي تخلي الجميع عن مسؤولياتهم ولو من خلال التحذير من تداعيات سياسة ترك الامور المالية النقدية والاقتصادية والحياتية «متفلتة» من كل الضوابط، بينما في الحد الادنى بالامكان اتخاذ مجموعة الخطوات التي تتيح عدم حصول هذا «التفلت» من خلال الاتي:

1- ان لجوء الحريري للاستقالة من رئاسة الحكومة، مهما كانت مبرراتها لا تعفيه من مسؤوليته في مواجهته الانهيار المتمادي، فالحكومة عندما تستقيل فالمبدأ الدستوري المعمول به في لبنان يقتضي من الحكومة ورئيسها الاستمرار في ادارة شؤون البلاد، على اعتبار ان لا فراغ في السلطة، كما يقول المرجع القانوني ادمون رباط، الى حين تشكيل الحكومة الجديدة، بينما في الحالات الاستثنائية على غرار ما هو عليه لبنان اليوم، بحيث يستوجب هذا الوضع على الحكومة ورئيسها ادارة الشؤؤن العامة لارتباطه بمصالح الدولة والناس، وبالتالي تصح اليوم المقولة التي تقول سلاح الشعب فوق سلاح القانون، لان شرط المصلحة العامة هو شرط جوهري من ادارة شؤون البلاد، على قاعدة عدم الاخلال بهذه المصلحة لغايات شخصية. ولذلك، فليس هناك من مبررات لتلكؤ الحريري وحكومته عن القيام بالدور والمهام التي تفرضها الظروف الاستثنائية الحالية، في خلال استقالة الحكومة وليس «طمر الرأس في «الرمال» بما ان هناك مسؤولية ولو بصورة اقل من القوى السياسية الاخرى بدءاً من رئيس الجمهورية، حيث ان الخلاف السياسي حول طبيعة الحكومة والنظرة الى اهداف الحراك الشعبي لا تعفي الحريري والاخرين من مسؤولياتهم بينما هناك شبه تعمد بدفع البلاد نحو الانهيار.

- ثانياً: ما يحصل منذ فترة وقبل انطلاق الحراك الشعبي وتفاقم في الاسبوعين الماضيين، بما خص فقدان الدولار من جهة، ووضع شروط قاسية على عمليات السحب من المصارف بالدولار وبالليرة اللبنانية، فيما يطرح السياسي المذكور تساؤلات تصل الى حدود المشكلة بلعبة المضاربة بالدولار، استناداً الى معطيات عدة ابرزها:

1- ما هي الظروف والخلفيات التي ادت الى الفوضى في سعر الدولار وفقدانه بهذه السرعة، وبينما كان الجميع مطمئناً قبل بدء الحراك الشعبي بأن لا مشكلة قريبة في الموضوع المالي والنقدي، وان لا خطر قريب في الملاءة النقدية في البلاد.

2- لماذا سمح لكبار الاثرياء بتهريب مبالغ ضخمة منذ مطلع العام الحالي، وهي تزيد عن ثلاثة مليارات دولار في الحد الادنى، طالما ان البلاد تتجه لأزمة نقدية - مالية، ولماذا مثلاً لم يسأل احد عن خلفيات ما اعلن مؤخراً من ان سويسرا أعادت 300 مليون دولار لأحد «كبار القوم» والذي يحظى بغطاء سياسي ومصرفي، وبالتالي كيف سمح لهذا المسؤول بتحويل هذا المبلغ الكبير؟!

3- ان لجوء المصارف الى فرض شروط غير قانونية على سحوبات المواطنين وكل المعنيين، ومنع التحويلات لكل التجار المستوردين يشير الى الريبة من هذه اللعبة الخطرة، وهو الامر الذي تعكسه اجواء الرئيس نبيه بري الذي يبدي استياء شديداً من لعبة اصحاب المصارف وأدائهم، بما خص وضع شروط صارمة وتحديد مبالغ بسيطة للسحوبات بينما لدى المصارف ما يزيد عن عشرة مليارات دولار مودعة خارج لبنان، وبالتالي ما هي الخلفيات التي تحول دون طلب المصارف اعادتها للبنان، حتى ان السياسي المعني يتحدث عن وجود توجه متخذ عن سابق تصوّر وتصميم، وموحى به خارجياً خاصة من جانب صندوق النقدي الدولي للاطاحة بسعر الليرة اللبنانية بطريقة «مافياوية» على اعتبار أن هناك استحالة باتخاذ قرار معلن يفضي الى ضرب سعر الليرة، لغايات واهداف مشبوهة سنتطرق اليها ـ ووفق ما اكده السياسي العتيق ـ في وقت لاحق.