دخلت الإحتجاجات الشعبية في الشارع يومها الأربعين (أمس) في انتفاضتها على الطبقة السياسية والفاسدين في البلاد، في الوقت الذي يسود الجمود السياسي بعد استقالة الحكومة الحالية وتحوّلها الى «حكومة تصريف الأعمال». هذا الأمر الذي استدعى تحرّكاً خارجياً ملحوظاً تجاه لبنان بدأ بالموفد الفرنسي كريستوف فارنو، تبعه الموفد البريطاني الموجود حالياً في لبنان ريتشارد مور في جولة إستطلاعية، على أن يكون الموفد الروسي قريباً في بيروت، في ظلّ اهتمام كل من أستراليا، وإيطاليا وألمانيا وسواها من الدول الخارجية فضلاً عن الدول العربية بالتطوّرات الجارية في البلد.

وتقول أوساط ديبلوماسية عليمة بأنّ لبنان كان محور مجلس الأمن الدولي من خلال مناقشة التقرير الدوري للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غويتريس المتعلّق بتطبيق القرار 1701، وقد جرى التطرّق من قبل أعضاء مجلس الأمن الدولي الى الأوضاع الراهنة في لبنان لا سيما منها الإنتفاضة الشعبية في الشارع الحاصلة منذ 17 تشرين الأول الفائت. وكشفت الاوساط أنّ أكثر ما جرى التشديد عليه هو ضرورة الحفاظ على الإستقرار الأمني في البلاد، وألاّ تؤدّي الإحتجاجات الى انزلاق الوضع وتطوّره الى مواجهات أمنية أو الى حرب داخلية بين أبناء البلد. فضلاً عن ضرورة تشكيل حكومة تُرضي اللبنانيين في أسرع وقت ممكن تكون قادرة على تحقيق المطالب الشعبية وإنقاذ الوضع الإقتصادي والمالي سريعاً ومنعه من الإنهيار الكامل، والقيام بالإصلاحات المطلوبة لكي تتمكّن مجموعة الدعم الدولية من الإيفاء بوعودها تجاه لبنان من خلال توصيات مؤتمر «سيدر»، وتوفير القروض والمساعدات له التي تبلغ قيمتها أكثر من 11 مليار دولار لمشاريع البنى التحتية وسواها.

وأشارت الاوساط نفسها الى أنّ مجموعة الدعم الدولية ستجتمع قريباً في باريس لمناقشة ما ستفعله فيما يتعلّق بقروض «سيدر» في ظلّ الجمود السياسي الذي يسود الوضع الحكومي حالياً، بعد أن كانت الدلائل والوعود تشير منذ ما قبل الشهرين، الى تحريك فعلي وجدّي وسريع للإصلاحات اللازمة من قبل الحكومة خلال الاشهر الستة المقبلة. فيما حصل تجميد لكلّ الملفات بفعل عدم التوافق داخل الحكومة ومن ثمّ بسبب الحراك الشعبي.

وفي رأي الاوساط، بأنّ كلّ كلام في اتجاه الإستعانة بأي دولة خارجية في الوقت الراهن، يُعزّز مسألة تدويل الأزمة اللبنانية، في الوقت الذي يتميّز فيه الموقف الفرنسي وكذلك البريطاني عن الموقف الأميركي، كما عن الموقف الروسي. فلكلّ مصالحه الخاصّة التي تختلف عن مصالح الآخر، فيما تدخّلهم في مساعدة لبنان على الخروج من أزمته وأي كلام في هذا السياق، يؤكّد سحب يدّ اللبنانيين- أكانوا من الطبقة السياسية أو من الحَراك الشعبي- من مسألة إدارة أزمتهم. ففي الوقت الذي تدخّلت فيه أميركا على لسان وزير خارجيتها مايك بومبيو الذي قال بأنّ كلّ ما يجري في لبنان والعراق هو اعتراض على النظام الإيراني وممارساته في المنطقة، ومن ثمّ ما جاء على لسان السفير الأسبق في لبنان جيفري فيلتمان عن الدور الأميركي لوقف تجاوزات بعض الدول، من وجهة نظر بلاده، قامت روسيا على لسان وزير خارجيتها سيرغي لافروف لتقول بأنّ «تشكيل حكومة تكنوقراط في لبنان هو أمر غير واقعي».

وكشفت الأوساط نفسها عن أنّه لا يُمكن التعامي عمّا حصل في سوريا لمعرفة مدى خطورة الوضع الحالي الذي وصل اليه لبنان. فمن يُشاهد ما جرى في سوريا، وكيف أنّ أميركا انسحبت منها أخيراً تحت عناوين عدّة، تاركة الساحة لروسيا وكأنّها لزّمتها إيّاها برضاها خصوصاً وأنّ ثمّة توافقاً ضمنياً فيما بينهما، لا يُمكنه التغاضي عن إمكانية أنّ أميركا تقوم اليوم بتلزيم لبنان أو جزء منه لروسيا أيضاً برعايتها وموافقتها. ولهذا فهي لا تعترض على إبداء روسيا رأيها في شكل الحكومة الجديدة التي يجب أن تتشكّل في البلد، ما يعتبره البعض تدخّلاً سافراً في الشؤون الداخلية اللبنانية.

أمّا الذهاب الى مجلس الأمن الدولي بهدف تدويل الأزمة اللبنانية من قبل فريق سياسي داخلي دون الآخر، علماً بأنّ الحَراك الشعبي الفعلي يرفض التدخّلات الأجنبية والخارجية في الشؤون الداخلية اللبنانية، فمن شأنه، على ما شدّدت الاوساط، إعادة لبنان الى زمن الوصاية أو الإنتداب مع كلّ مساوئه وسلبياته التي تفوق إيجابياته بكثير، أيّاً تكن الدولة التي ستسيطر عليه. وهذا الأمر أخطر ما يُمكن أن تُنتجه الازمة الحالية، على أن يكون هذا الأخير أولاً وأخيراً بيد الشعب اللبناني دون سواه.