لا يختلف اثنان على ان المطالب المعيشية والاجتماعية المرفوعة في ساحات الحراك هي محقة وهي مطلب جميع اللبنانيين لا سيما في مناطق الفقر والحرمان التي تعاني منذ عهود من فقر وظلم وتهميش واستنسابية انماء وتوظيف وبطالة مستشرية، ويجمع اللبنانيون بطوائفهم وقواهم السياسية على اهمية تحقيق هذه المطالب وخاصة قضايا الفساد والاموال المنهوبة والتي كانت احدى ابرز اسباب العجز المالي والتي تحدث عنها رئيس الجمهورية العماد ميشال عون قائلا ان لبنان ليس مكسورا بل منهوبا وان حل العجز يبدأ باستعادة الاموال المنهوبة.

لكن ما تختلف عليه القوى السياسية هو حين بدأت قوى سياسية تركب الموجة الشعبية المقهورة مما آلت اليه الاوضاع من تدهور معيشي اجتماعي اقتصادي بلغ حد الاختناق لدى شرائح واسعة في المجتمع اللبناني وهذه القوى بدأت تصوب سهامها على حقبة حديثة بالقاء اللوم على شخصيات سياسية دون اخرى وعلى مرحلة متغاضية عن مراحل يعود تاريخها الى اكثر من ثلاثين عاما ونتج عن تراكماتها ما وصلت اليه من مآس وظلم وقهر وفقر وجوع.

في الشمال ساحات حراك مختلفة وليست ساحة واحدة حتى قيل حسب شخصيات شمالية ان كل ساحة تغني على ليلاها موالها الخاص بها وان بعض هذه الساحات باتت مكشوفة خلفياتها وكواليسها ومحركيها وان هناك من يمتطي الحراك والمطالب الشعبية المحقة للضغط بغية تحسين شروطه السياسية ومواقعه في الازمة اللبنانية وما يدور في غرف عمليات خارجية ليست خافية على احد.

وفي ظل ما تشهده ساحات الشمال تسجل مرجعيات شمالية جملة تساؤلات حول ساحات الحراك ابرزها:

اولا: ان بعض هذه الساحات تحولت الى مراقص ومواعدات غرامية والرحلات الممولة التي تتجه الى هذه الساحات تحمل عائلات تعتقد انها ذاهبة الى مهرجان غنائي دبر له فنانون معروفون او مغمورون تستقطب العائلات التي تبحث عن متنفس ترفيهي مجاني لها.

ثانيا: تحولت بعض ساحات الحراك الى اسواق تجارية لاصحاب البسطات والعربات الذين ابدوا حماسا لاستمرار الحراك لانهم وجدوا فيه فوائد وارباح ما حلموا بها طوال عمرهم.

ثالثا: قد تكون حلقات الحوار التي تعقد في خيم نصبت وحدها المساحة التي تناقش فيها القضايا بعقلانية لكنها حلقات غير مسموعة على نطاق واسع ولا يسمح لها أن تعتلي المنصات الرئيسية التي تقتصر على خطاب تحريضي شتائمي وشحن النفوس واللعب على الاوتار الحساسة.

رابعا: استياء واضح في اوساط الناس من مواصلة اقفال المدارس والمؤسسات الرسمية وتعطيل مصالح الناس لاهداف خطيرة لن تسقط سلطة بقدر ما تسقط دولة وتدخل البلاد في متاهات الفوضى والغوغاء.

خامسا: قطع الطرقات خاصة في مناطق نائية من الشمال وبشكل مفاجيء وقطع الطرقات الرئيسية الذي يؤدي الى شلل حياتي كل ذلك ادى الى ردود فعل سلبية في اوساط المواطنين الذين بدأوا بالانكفاء عن تأييد الحراك واكتشافهم ان ما وراء الاكمة ما هو اخطر وادهى والمواطن وحده يدفع الثمن.

سادسا : تلمس اوساط شعبية ان الامور تفلت من عقالها وقاربت السلم الاهلي باستعادة شريط الحرب الاهلية السيئة الذكر خاصة بعد تسجيل حوادث لها دلالات خطيرة وتمس هيبة الدولة ومؤسساتها وعجز في المواجهة الى حوادث سلب وسرقة وخطف واعتداءات في عدة مناطق شمالية وكلها مؤشرات اخرجت الحراك عن مساره المطلبي المحق.

لم تعد القضية تحتمل المماطلة ولا اطالة الازمة التي ستكون لها تداعيات خطيرة بات المواطن يتلمسها ويكتشفها بنفسه في ظل نفوس مشحونة للغاية وساهمت بتراجع الشمال اكثر مما هو متراجع حيث بدأت المحلات التجارية واصحاب المصالح تشكو من انعدام المداخيل والموارد مما سيؤدي الى الاغلاق واتساع مساحات البطالة بصرف عمال وموظفين وزيادة حجم الفقر والجوع فيذهب الحراك واهدافه هباء منثورا.