في ضوء ركوب بعض القوى موجة الحراك... ورهان الآخرين على تعب الانتفاضة وتجاهل الحقوق!


لا شيء في الواقع السياسي الداخلي يحمل مؤشرات ولا بسيطة حول احتمال حصول حلحلة او حتى بداية خروج من نفق ازمة تشكيل الحكومة بجزئيها التكليف والتأليف، ما يزيد من قلق اللبنانيين حول الفترة القريبة المقبلة ودخول البلاد في واقع من الافلاس والانهيار الشاملين ومعهما وصول حال اللبنانيين الى ما يتجاوز الفقر الموقع عبر فقدان كل مقومات الحياة اليومية بدءا من الضرورية منها وحتى بلوغ البلاد وحال عدم الاستقرار الى الفوضى الشاملة حتى لو كان هناك من يعتقد انه بمنأى عن كل هذا الواقع الخطير الذي تسير نحوه البلاد.

والواضح وفق مصدر سياسي مطلع ان احتمالاً وحيداً في غضون الفترة القريبة المقبلة وهو الانهيار والافلاس في حال عدم نزول «الوحي» على اصحاب القرار والحل والربط على المستوى السياسي ولذلك يؤكد المصدر ان كل هذا الواقع القائم على المستويات السياسية المالية والحياتية سيفضي حكما الى الهاوية العميقة انطلاقا من الآتي:

- اولا: ان اخطر ما وصل اليه الوضع الداخلي يتمثل في ارتفاع المتاريس السياسية بين القوى السياسية المختلفة التي يفترض بها التحرك لاخراج البلاد من الانهيار الذي وصلت اليه ليس فقط لان هذه المهمة من مسؤولياتها جميعا بل لان هذا الانهيار سببه سياسات القوى السياسية التي تعاقبت على السلطة منذ العام 1994 وما تزال حتى اليوم مصرّة على نفس المنطق والسياسات التي ادت الى سقوط حتى المقومات البديهية للدولة ومسؤولياتها امام شعبها بل ان هذه القوى السياسية تمعن بسياسة الهروب الى الامام وفي كل ما عليها القيام به من خطوات واجراءات انقاذية بدءا من تشكيل حكومة تتجاوب مع ضرورات الخروج من الازمة، ومع اوجاع اللبنانيين فحتى بات الالاف الذين نزلوا الى كل ساحات لبنان في «عرس» ذكرى الاستقلال الذي اقامه الحراك الشعبي لم يحرك ساكنا لدى المسؤولين وبأن منطق المحاصصات والتقاسم السياسي والحزبي لمقدرات الدولة اصبح من الماضي.

وما حصل خلال الاحتفال الرمزي بذكرى الاستقلال في وزارة الدفاع اول امس من حيث العلاقة المتوترة التي تسود بين الرؤساء الثلاثة، يعبّر بشكل واضح عن عمق الخلاف والهوة التي تمرّ بها العلاقة بين الرئيسين عون وبري من جهة ورئىس الحكومة المستقيل سعد الحريري من جهة ثانية.

واذا كان التفتيش عن نقاط التلاقي بين اهل السلطة من مسؤولية كل الاطراف المعنية على اعتبار ان من عليهم المسؤولية في العمل المكثف لوضع سكة الحلول على قطار الصحيح، عبر الاتفاق على شخصية الرئىس الجديد والحكومة المنتظرة، فالرئىس الحريري هو المعني الاول وهو بالتالي يتحمل الجزء الاكبرمن مسؤولية انسداد الافق امام ايجاد المخارج لملف التكليف والتأليف من خلال المواقف التي يتخذها او سياسة انتظار «الترياق» من الخارج وهو ما يلاحظه المصدر بالآتي:

- طالما انه يمثل القوة السياسية والنيابية الاول داخل الطائفة السنية في مقابل تبلغه من الاطراف الاساسية عون - بري وحزب الله انهم يدعون اعادة تكليفه فيما الحريري يمارس سياسة الهروب الى الامام بعدم الافصاح عن رغبته في ترأس الحكومة او دعم شخصية سنية اخرى لهذه المهمة واما تبرير مصادره لهذا التكلؤ بالشرط التي يضعها رئىس التيار الوطني الحر جبران باسيل لا يكون بالاستقالة من دوره السياسي المطلوب بل بالتحرك مع الاطراف المعنية لتذليل هذه الشروط وفي الحد الادنى وضع الرأي العام بواقع الحال على مستوى التكليف والتأليف خصوصا ان البلاد لا تتحمل اضاعة يوم واحد حيث ان الواقع الداخلي يدخل يوميا في مزيد من الازمات على كل المستويات.

- الامعان في محاولة فرض الشروط التي يتمسك الحريري عبر حكومة تكنوقراط، في وقت تندفع الادارة الاميركية بطريقة وقحة من خلال ما قاله ديفيد ساترفيلد السيىء السمعة الحليف للارهاب الاسرائيلي واقتراحه تشكيل حكومة غير سياسية لا يشارك فيها حزب الله، وهو ما يعني ان الحريري والاطراف التي تدعم حكومة التكنوقراط تسير بالاملاءات الاميركية، فتشكيل حكومة مطعمة سياسياً من اشخاص موثوقين، مع خطة انقاذ متكاملة جوهرها ما يطرحه الحراك الشعبي من مطالب وحقوق واولها اعتماد قانون انتخابي خارج القيد الطائفي وقانون موحد للاحوال الشخصية واسقاط دويلة الفساد والنهب وعشرات المطالبات الاخرى الضرورية.

وهذه المسؤولية التي تقع على الحريري انطلاقاً من هذه المعطيات لا تعفي حلفاءه التقدم الى منتصف الطريق لملاقاة القوى السياسية الاخرى والتوقف عن لعبة الرهانات الخارجية، وكذلك الامر بما خص القوى المختلفة مع الحريري وجنبلاط وجعجع بدءا من فريق العمل على قوى 8 آذار، التي عليها النزول عن «شجرة» «الكليشيهات» التي تطرحها، عبر ادارة الظهر للحراك الشعبي وكأن كل ما يحصل من انتفاضة لمئات الالاف اللبنانيين، هو عمل مشبوه، وصولاً الى اطلاق التوظيفات السيئة على كل من يدعو لاحداث تغيير جدي في بنية الدولة سياسياً وبنيوياً، ما يتيح الخروج عن الانقسامات الطائفية والمنطق الذي اوصل البلاد الى الواقع المأزوم.

ثانياً: رهان القوى السياسية المختلفة في ظل الجمود الحاصل في الحراك السياسي وانقطاع التواصل بين كل الجهات المعنية بحل المبادرة الفرنسية او بعض الاتصالات التي تقوم بها جهات دولية اخرى للوصول الى اطار دولي يقضي الى حلحلة العقد الداخلية حول تشكيل الحكومة، الى جانب الرهان على تقديم المجتمع الدولي مساعدته للبنان بدءاً من «تسييل» قروض «سيدر» وهذا التوجه يبدو واضحاً على الاخص من جانب الذين يتحركون على وقع الموقف الاميركي، وبالتالي فهذا الرهان او الامعان في اضاعة الوقت، فالنتائج الوحيدة له هو المزيد من الانهيار على غرار ما حصل منذ العام 94 وحتى اليوم، في وقت ان هذه الرهانات اصبحت اشبه بعملية انتحارية في ظل ما بلغته البلاد من سقوط لكل مقوماتها.

- ثالثاً: رهان بعض القوى التي «ركبت» موجة الحراك الشعبي على «الترياق» الاميركي بما يتيح لها تعديل الموازين الداخلية لمصلحة توجهاتها السياسية والهادفة بالدرجة الاولى الى محاصرة المقاومة ومعها محاولة اضعاف الخصوم، بموعد من الفريق المسيحي المناوئ لهم على قاعدة «قم لاجلس مكانك»، في مقابل رهان الاطراف الاخرى على الوقت لوصول الحراك الشعبي الى الحائط المسدود وتعب المشاركين في هذا الحراك، لانه لو كان هناك فعل جدي من فريق العهد بالدرجة الاولى، فكان من الضروري والمسؤولية الملقاة عليه، ان يتبنى مطالب الحراك الشعبي - دون التوقف عند محاولات بعض الاطراف السياسية استغلال الحراك لاجندات خاصة - وليس ان يتجاهل هذه المطالب ويسأل عنها، على غرار ما تضمنته كلمة الرئيس ميشال عون في ذكرى الاستقلال، فيما ما يفترضه الواقع المأزوم من معالجات وخطوات جذرية على مختلف المستويات هي اشبه «بالاحرف الابجدية» وليس القفز، فوق هذا الواقع المأزوم.