تلك السهرة الدمشقية، لكأنها الدهر، مع محمد الماغوط. تحدثنا عن الكثير مما قاله. آنذاك أغفلنا اسئلته التي نستعيد بعضاً منها الآن: لماذا بعث الله بنبي واحد الى العرب؟ ولماذا أقفل باب السماء بعد ذلك؟

وقال «في كل يوم، ربما، نحن بحاجة الى نبي لا يأتينا بالنص المقدس، وقد مللنا من بهلوانيات الفقهاء الذين نصّبوا أنفسهم أولياء على الله. نبي يأتينا بالعصا التي تنهال على رؤوسنا. هذه الرؤوس التي من الاسفنج».

الآخرون يقتربون من الدخول في حقبة ما بعد الزمن. العرب يصرون على البقاء في حقبة ما قبل الزمن. احدهم قال، في تظاهرة الداون تاون «آن الأوان لكي نصنع الزمن الآخر».

الشعار الرائع، هل له من مكان في هذه الجمهورية ؟ في تلك الدول العربية التي تتاخم، في القرن الحادي والعشرين، القرون الوسطى؟

أمثلة (وأمثولات) مما يحدث وراء الخط الأزرق. في الدولة التي قامت على الاغتصاب، على الايديولوجيا التي ترفض الآخر (كما لو أن العربي ليس ذئب العربي)، يقف بنيامين نتنياهو أمام القضاء بتهمة قبول رشوة هي عبارة عن صناديق من الويسكي، وعن علب من السيكار الفاخر. لن ننسى كؤوس الكريستال...

ولقد شاهدتم رئيس حكومة آخر (ايهود أولمرت)، كما الهيكل العظمي، يتناول طبق الحساء في الزنزانة. التهمة تقاضي رشوة حين كان رئيساً لبلدية القدس.

اسحق رابين الذي احتل مرتفعات الجولان، وكان رئيساً للأركان، استقال من رئاسة الحكومة لأن زوجته أودعت 10000 دولار في مصرف أجنبي خلافاً للقانون الذي يحظر الايداع، بالعملة الصعبة، في البنوك الأجنبية.

زوجة أحد الوزراء عندنا ( وقد دخل الى السلطة حافي القدمين) تكاد تتجاوز زوجة الديكتاتور الفيليبيني فرديناند ماركوس، في التباهي بالثلاثة آلاف حذاء، وبعضها مرصع بالذهب والياقوت.

لماذا تجنب جيفري فيلتمان الذي يعاني من عقدة «حزب الله»، وقد ورد اسمه نحو خمسين مرة في مطالعته في الكونغرس، القول ان لدى وزارة الخزانة الأميركية لوائح بالساسة اللبنانيين الذين أثروا من المال العام، ليغدوا مهراجات هذا الزمان ؟

حتى لو بقيت التظاهرات الى الأبد. لن يستعاد دولار واحد. الانتفاضة تتحول، أكثر فأكثر، الى كرنفال. بعد أكثر من شهر على الصرخة التي زلزلت بارونات السلطة (اياهم بارونات الفساد)، يبدو المشهد مضحكاً، ومريراً. الثوار مع حكومة تكنوقراط، وضد الحكومة التكنوسياسية. في ظنهم أن رجال التكنوقراط سيقتلعون أنياب مصاصي الدماء.

أي ثورة حين تتوقف عند شكل الحكومة ؟ لا مجال لاجتثاث الطبقة السياسية من جذورها. لاحظوا اين ينحصر النقاش. يقبل سعد الحريري او لا يقبل. هنا المشكلة. يا للثورة الغراء !!

الثورة باتت بحاجة الى الانقاذ. حتى دونالد ترامب قال بحكومة جديدة. ضعوا أحلامكم على الرف وارتضوا بحكومة يرضى عنها مايك بومبيو...

ديبلوماسي روسي سأل ما اذا كان لبنان يستطيع أن يتحمل الجنون الأميركي. قال «واشنطن تريد أن تقطعوا علاقاتكم التاريخية مع دمشق وتعقدوا علاقات استراتيجية مع أورشليم. صواريخ «حزب الله» هي الجدار، وينبغي ان تزول. زوال الجدار أم زوال الجمهورية؟».

سخر من كلام جيفري فيلتمان حول محاولة روسيا الحلول محل بلاده في لبنان «أين نحن، وأين أميركا؟ أنظروا الى لعبة الدولار الآن. أليست العقوبات وراء وقف تدفق العملة الخضراء؟ الأميركيون يعتقدون أنهم بذلك يحجبون الدولار عن دمشق. لا يدرون أنهم يدفعون ببلدكم الى الهاوية. قلت «الجنون الأميركي»، والآن أقول الحماقة الأميركية».

نصيحته الينا «اذهبوا الى أسواق العراق عبر سوريا، ولسوف يعود التوازن الى اقتصادكم في الحال».

«الثورة» بين مخالب الآخرين. «الدولة» بين مخالب الآخرين. أي ثورة ؟ أي دولة ؟