بعد أن قال رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري كلمته الاخيرة بعدم نيته ترؤس أي حكومة لا تتوافق مع شروطه، بات من الملح البحث عن شخصية اخرى تتولى هذه المهمة، وهذا ما يعلمه جيدا الثنائي، حزب الله وحركة امل، والتيار الوطني الحر، الذين بدأوا بالفعل في هذا البحث، مع الإشارة الى أن الأسماء التي يتم البحث بها لا تبتعد عن محيط الحريري نفسه، كون التوجه نحو حكومة مواجهة ومن طرف واحد هو أمراً غير مطروح حاليا، كذلك التوجه نحو حكومة عسكرية.

منذ احتراق اسم محمد الصفدي لم تتحرك مياه التفاوض الحكومي الراكدة، خصوصا بعد أن أكد الحريري، بحسب مصادر قيادية في الثنائي الشيعي، في حديثه مع سفراء الدول الغربية عدم رغبته بتولي حكومة لا تحظى بثقة المجتمع الدولي، مشيرة الى أن الحريري أشار أيضا الى أنه لا يمانع ترؤس حكومة من أي نوع كانت بحال نتجت من توافق مع هذا المجتمع، بحيث يحصل لبنان على دعمهم الاقتصادي للخروج من الأزمة التي يعيشها، وهذا مغزى الرسالة التي نقلها مستشاره للشؤون الروسية الى روسيا.

إن هذا الحديث بالنسبة للمصادر يعني أن تدويل الأزمة أصبح أمرا واقعا، وبالتالي فإن أي تطور في هذا الملف سيكون ناتجا من المشاورات التي تجريها فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة الاميركية بشأن الملف اللبناني، مع الأخذ بعين الاعتبار النفوذ الروسي، مشددة على أن هذه المشاورات إنطلقت بعد ثبات فريق 8 آذار والتيار الوطني الحر ورئيس الجمهورية على موقفهم الحكومي، والتأكد أن هذا الفريق لن يتنازل مطلقا، الى جانب فشل الخيار العسكري بوجه محور المقاومة، والذي تؤكد كل المعطيات أن إسرائيل كانت ستتوجه اليه لأسباب داخلية على علاقة بوضع نتانياهو المتأزم، وأسباب خارجية.

وتضيف المصادر: «إن التهديد باعتداء اسرائيلي كان حقيقيا، ولكن قوة محور المقاومة والتهديد الذي وصل لاسرائيل عبر خطب علنية ورسائل روسية فرمل هذا الخيار، كون الهجوم الاسرائيلي على أي دولة قد يعني انطلاق الصواريخ عليها من العراق وسوريا واليمن، علما أن المؤشرات كانت تدل على نية إسرائيل الهجوم على أهداف في سوريا والعراق واليمن مع تحييد لبنان.

وفي هذا السياق، تكشف المصادر عن توجه دولي للقبول بحكومة تكنوسياسية مع بعض الشروط المتعلقة بعدد وزراء القوى السياسية، وورقة الإصلاح التي يُفترض بالحكومة الجديدة أن تتبناها، مع العلم أن هذه الشروط لا تتعارض مع ما كان الخليلان قد عرضاه للحريري، يوم كان العرض بأن تُشكل حكومة من 24 وزيرا ويكون للقوى السياسية فيها 5 وزراء، دون وضع شروط على ماهية الحقائب التي يتولوها، إضافة الى النية بتبني وتنفيذ الورقة الإصلاحية التي أقرتها الحكومة قبل استقالتها، الى جانب الورشة التشريعية التي سيتولى تنفيذها المجلس النيابي.

إذا، تؤكد المصادر أن بوادر حلحلة للملف اللبناني قد تظهر في الأسابيع المقبلة، مع الإشارة الى أن الفراغ الحكومي قد يمتد الى بداية العام المقبل، وكل ذلك بظل وضع اقتصادي هو الأصعب بتاريخ لبنان الحديث. وتضيف: «نهار الخميس الماضي كان رئيس المجلس النيابي نبيه بري حذرا جداً في تناوله الوضع الاقتصادي، فهو أشار في حديث ضمن جلسة خاصة الى أن الوضع الاقتصادي معرض للإنهيار في أي يوم، فالمسألة قد لا تكون هذه المرة أشهرا بل أسابيع، هذا بحال استمر الضغط وإن بقيت الأزمة على حالها، داعيا لتفعيل المقاومة الاقتصادية، علما أن لدى قوى 8 آذار مؤشرات تؤكد أن المجتمع الدولي لا يريد الإنهيار في لبنان لأسباب عديدة أبرزها النازحين، واقتراب بلوغ الملف النفطي بداياته السعيدة، الى جانب التخوف من انفجار المنطقة عسكريا.

كان كلام فيلتمان الاخير عن مخطط الولايات المتحدة الاميركية مفيدا لأنه جعل الصورة واضحة امام الجميع خصوصا أمام روسيا التي باتت تتعامل مع الأزمة في لبنان كمخطط اميركي لمنع تمدد قوتها في المنطقة، الامر الذي يمكن اعتباره إيجابيا للبنان لكي يحظى بدعم دولي يمنع إنهياره. فهل يتبدّل المشهد الدولي قريبا؟