تحذيرات من مراجعات قضائية لمحاسبتها


في الباحة الداخلية لأحد فروع المصارف الاساسية في منطقة سن الفيل ينتظر العشرات دورهم للتوجه الى احد الموظفين الأربعة لسحب ما سيُسمح لهم من أموالهم بالدولار الاميركي. يدخل أحدهم ليسأل المسؤول الامني الذي وقف لينظم صف العملاء عن المبلغ الذي يسمح المصرف بسحبه بالدولار فيرفض الاجابة متحججا بأنه قد يعطيه معلومة خاطئة لأنه غير مخول باعطاء هكذا معلومات أصلا. ينظر الشاب الثلاثيني الى الشاشة التي تحدد أرقام العملاء التي تنظم الدور، فيكشتف ان هناك بحدود 17 عميلاً يسبقه..تأفف ثم خرج كغيره كثيرين تبعوه ليسألوا السؤال نفسه. فان عدم التزام ادارات المصارف بالسقف الذي حددته جمعية المصارف والبالغ 1000 دولار أميركي اسبوعيا واعتماد كل منها سقفاً مختلفاً يتراوح ما بين 300 و 800 دولار أميركي، فاقم مأساة اللبنانيين الذين وجدوا أنفسهم أسرى قرارات مصرفية تضع يدها على أموالهم التي ظنوا حتى الامس القريب انها بمأمن، فاذا بهم يكتشفون أن أموالهم لم تعد لهم!

فلم يلبث هؤلاء أن اطمأنوا لاعلان حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في الحادي عشر من الشهر الجاري انه لن يكون هناك قيود على السحوبات والتحويلات او capital control، حتى اكتشفوا مع فتح المصارف ابوابها بعد ايام ان لا صدى لهذا الاعلان على أرض الواقع. فهل يحق اصلا لجمعية المصارف كما لادارات المصارف أن تضع سقفاً للسحوبات أم أن الأمر يجب ان يُنظم بقانون يصدر عن مجلس النواب؟ عن هذا السؤال يجيب الخبير المالي والاقتصادي وليد أبو سليمان لافتا الى ان المادة 307 من القانون التجاري تنص على انّه «على المصرف الذي يتلقى على سبيل الوديعة مبلغاً من النقود يصبح مالكاً له ويجب أن يرده يقيمة تعادله دفعة واحدة أو عدة دفعات عند أول طلب من المودع أو بحسب شروط المهل أو الاعلان المسبق المعيّنة في العقد»، ما يعني أنّه على المصارف أن تعيد الودائع لأصحابها وفق المهل الزمنية التي تنصّ عليها العقود الموقعة بين المصارف والمودعين، وبالتالي إنّ وضع سقوف للسحوبات وممارسة القيود على التحويلات كما هو حاصل راهناً، يحتاج إلى قانون يقرّ في مجلس النواب، منبها الى ان ما تقوم به المصارف قد يكون موضع مراجعات قضائية اذا لم تتم قوننته.

أما بالنسبة لدور مصرف لبنان، فهو رقابي عبر لجنة الرقابة على المصارف، ويهدف الى تنظيم القطاع وحماية المودعين من أي تصرف خطأ، ويترك المصرف المركزي اليوم الحرية لجمعية المصارف للتصرف وفق اعتباراتها من خلال وضع القيود على التحاويل والسقوف على السحوبات.

ويشير أبو سليمان في حديث لـ «الديار» الى اننا بالمبدأ في اقتصاد حر ولا يمكن وضع سقوف للسحوبات وبالتالي إنّ تقويض حركة الرساميل مناقض مع مبدأ حرية الاقتصاد، لافتا الى ان بعض المصارف يمارس نوعاً من التقنين وادارة للسيولة الموجودة لديه والبعض الآخر يتصرف بحزم أكثر وذلك فقاً لسياسة كل مصرف، مضيفا: «الأهم من ذلك هو التأكيد أنّ المسألة لا تتعلق بملاءة المصارف وانما بنقص السيولة».

وردا على سؤال عن صحة المعلومات التي تحدثت عن خروج 800 مليون دولار من البلد منذ 17 تشرين الأول، يقول أبو سليمان: «سمعنا الكثير من الكلام عن خروج رساميل خارج البلاد ولكن لم نتأكد من ذلك، وعلى لجنة الرقابة التحقق من ذلك وهي بالفعل طلبت من المصارف لوائح تظهر حركة التحاويل للتأكد من هذا الأمر».

ويرفض أبو سليمان الحديث عن دخولنا مرحلة الانهيار المالي، موضحا ان لبنان لم يخل حتى الان من دفع استحقاقاته المالية، مضيفا: «نحن في وضع صعب وسيىء ولكن لم يحصل انهيار مالي، وما نحن فيه لا يشبه ما حصل في اليونان أو في فنزويلا الا في ما يتصل بمسألتي القيود والسقوف على السحوبات».

أما السبيل الى الانقاذ فيبدأ بحسب أبو سليمان بتشكيل حكومة أشخاص ذي مصداقية تخاطب المجتمع الدولي والمؤسسات المانحة وقادرة على ترميم الثقة مع المستثمر الوطني والأجنبي والمستهلك، ومن ثم الشروع في الاصلاحات التي يشترطها مانحو «سيدر»، معتبرا انه بما أنّ حركة التحويلات الى الخارج شبه معدومة، يمكن للمصارف تخفيض الفوائد على الحسابات الدائنة، بما يخفف من الكلفة على المصارف في الدرجة الاولى على ان يتم بعدها خفض الفوائد على الحسابات المديونة وعلى القروض الجديدة التي سيأخذونها، وذلك بهدف ضَخ السيولة في شرايين الاقتصاد المتوقف حالياً بشكل شبه كامل. مضيفا: «في المقابل، لدينا اليوم حوالى 3 مليارات دولار في المنازل، ولإعادة إدخالها إلى النظام المالي، يمكن للمصارف تأمين تعهدات للبنانيين بعدما فقدوا الثقة بالطبقة الحاكمة عبر شركات تأمين عالمية، الأمر الذي من شأنه التشجيع على اعادة ما بين مليار ونصف المليار الى ملياري دولار الى المنظومة المصرفية».

ويشير أبو سليمان الى انه «بما انّ المصارف كانت مصدر تمويل الدولة التي كانت تدفع فوائد مرتفعة للمصارف لتعود الاخيرة وتوظفها امّا بالهندسات المالية أو بسندات خزينة مرتفعة، على الدولة اليوم ان تطلب من الدائنين، أي المصارف، التفاهم معهم على تخفيض هذه الفوائد بشكل يخفف من عبء الخزينة العامة».