من تلة الكابيتول هبط جيفري فيلتمان على المشهد اللبناني. انزلوا الى الملاجئ... !

هل نتوقع انزالاً أميركياً على شاطئ النورماندي عندنا في استعادة للانزال الأميركي على شاطئ النورماندي الفرنسي عام 1944 ؟

لن نبالغ في المقارنة بين «عملية نبتون» التي شاركت فيها 6900 سفينة و12000 طائرة. الديبلوماسي المخضرم هو من قارن بين الأمبراطورية الأميركية وحزب الله. قال: عليكم الاختيار بين الفردوس والجحيم. أشبه ما يكون بالانذار الأخير للبنانيين الذين عليهم أن ينقضّوا على صواريخ الحزب، والا... الجحيم.

مثلما يمكن رصد وقع قدمي هنري كيسنجر في وزارة الخارجية، تمكن رؤية أثر قدمي جيفري فيلتمان في دائرة الشرق الأوسط. تحديداً ما يتعلق بلبنان. مقابل ديبلوماسية الكراهية، علاقات وثيقة مع شخصيات سياسية.

على شرفة أحد القصور التاريخية، وأثناء حفل عشاء، قال «من هنا أرى الشرق الأوسط». مع كأس النبيذ الثالثة ضاع الرجل بين منطق الأمبراطورية ومنطق القبيلة. ربما... منطق الزقاق.

هكذا علا صوته في الكونغرس «علينا أن نكون هناك، والا فان الايرانيين، والسوريين، والروس، والصينيين، سيحلون محلنا». ماذا يفترض أن يفعل المشرعون في هذه الحال؟. كما لو أن فيلتمان كان يتحدث عن «الأمبرطورية اللبنانية» لا عن جمهورية ضائعة في الجغرافيا، وفي التاريخ. أي لبناني يعلم أين يضع قدميه الآن؟

على خطى جون فوستر دالاس و«مبدأ ايزنهاور» لملء الفراغ، لاحظ فيلتمان أن الروس «يريدون أن يكونوا هناك». هذا قبل المقاربة السيكولوجية للوضع. «لبنان محبط، معوز، ومعقد. لعبتنا ستكون طويلة، ولن نسمح للآخرين بانتهاز غيابنا».

ما يثير أكثر من هاجس قوله ان لبنان «ساحة للتنافس الاستراتيجي العالمي». رجاء، اقرأوا العبارة جيداً، واتركوا لمخيلتكم أن تتصور ما يمكن أن يحل بنا اذا ما تحولنا الى حلبة لصراع الأمبرطوريات وما دون الأمبراطوريات.

كل ذلك الانتشار الأميركي، من مضيق هرمز وحتى باب المندب، ومن الربع الخالي الى دلتا النيل، لا يكفي. يقتضي أن تكون أميركا في لبنان الذي عليه أن يختار (هكذا بالحرف الواحد) «بين المضي في المحسوبيات، والفساد، والانغماس مع حزب الله ما يؤدي به الى الدرك الأسفل، وبين الاصلاحات، والمحاسبة، والاعتماد على مؤسسات الدولة بدلاً من حزب الله، ما سيؤمن له دعماً أميركياً، ومن جهات أخرى. هنا الوجهة الأفضل».

هذا الكلام، وبلهجة الآمر والناهي, قيل للعراقيين عشية الغزو. تعلمون ماذا فعل بول بريمر في بلاد الرافدين. جعل من هذا البلد الذي كان يمكن أن يكون يابان الشرق الأوسط مستنقعاً للفساد، وللتفرقة، وللصراعات المذهبية والاتنية. هل ثمة من دولة في العراق ؟

ديك تشيني أراده أن يكون ساحة للتنافس الاستراتيجي (كما أراد فيلتمان للبنان أن يكون). لكنه العراق، بالمساحة الشاسعة، وبالامكانات النفطية الهائلة، وبالكثافة الديموغرافية. ماذاعن لبنان الذي لا يساوي ثلث محافظة مثل محافظة نينوى ؟

لا نشكك البتة في صرخة المتظاهرين في وجه الأوثان. ولكن، في ضوء كلام جيفري فيلتمان الذي لم يدع مجالاً للشك في التدخل الأميركي، هل ترانا ندري الى أين نحن سائرون ؟

لا مجال لاغفال تأثير الرجل. انه أحد أركان الدولة العميقة (الأمبراطورية العميقة). هل يعني ذلك انخراطاً أميركياً، أشد هولاً، في مسار التطورات على الساحة اللبنانية ؟

لاحظتم وعيده، من «الانغماس مع حزب الله». الخطوة الأولى (في التنافس الاستراتيجي) لا أثر للحزب في الحكومة العتيدة. كان متعقلاً حين رأى أن المواجهة العسكرية للحزب تفضي الى الحرب الأهلية. ما البديل لدى جيفري فيلتمان ؟ لعله انزال أميركي على... شاطئ النورماندي !!