لم يسمع المتظاهرون كلام رئيس الجمهورية العماد ميشال عون خلال المقابلة التلفزيونية التي أُجريت معه مساء الثلاثاء الفائت، ولا الوعود التي أغدقها لتحقيق مطالبهم المحقّة وبناء الدولة، والدليل خروجهم فور انتهاء المقابلة الى الشوارع وحرق الدواليب وقطع الطرقات. فقد ظهر بوضوح، على ما تقول مصادر سياسية مقرّبة من قوى 8 آذار، بأنّ كلّ شيء كان مجهّزاً له سلفاً على أن يحصل فوراً، أكان لكلام الرئيس عون صدى إيجابياً أو سلبياً في نفوسهم. وقد بدا ذلك من خلال عدم أخذ المتظاهرين من كلّ كلام الرئيس عون الإيجابي والمرحّب بالإنتفاضة لتنفيذ ما يُطالب به منذ سنوات، سوى جملة قالها بطريقة عفوية وبنوا عليها وصولاً الى الطلب منه أن يُهاجر هو وعائلته من البلد بدلاً من أن يُهاجروا هم وعائلاتهم. ويبدو أنّ المطلوب، على ما أصبح واضحاً للعيان بحسب رأي المصادر، هو استمرار الفوضى في لبنان والعراق تحت ذرائع المطالبة الشعبية بالحقوق، رغم تشديد مندوبي المجتمع الدولي على ضرورة الحفاظ على الهدوء والإستقرار في لبنان. غير أنّ الهدوء المطلوب فمع الجانب «الإسرائيلي» فقط، أمّا في الداخل، فلم يعد مؤكّداً بأنّه يريده مستقرّاً، سيما وأنّ ما يحصل يُظهر بأنّ الخارج يريد خلق الفتنة بين أبناء البلد الواحد. وأكّدت بأن ما جرى أخيراً في الشارع من خلال قطع للطرقات وإحراق للدواليب، فلا يدلّ على إرادة الحراك بإصلاح النظام أو على الأقلّ بتطبيقه، إنّما بتخريب البلاد ليس إلاّ. وذكرت بأنّ ثمّة من يُحاول في الداخل تطبيق الأجندات الخارجية الراغبة في خلق الفتنة بين أبناء الوطن الواحد من خلال إطلاق النار أو استخدام الدمّ في الشارع والصدام بين المتظاهرين بالضرب ورمي الحجارة، في انتفاضة شعبية يُفترض أنّها «سلمية» بهدف جرّ البلد الى الفوضى... ولعلّ هذا ما استشرفه الرئيس عون وأكّد خلال المقابلة بأنّه سيمنع حصوله وانزلاق البلد الى الفتنة بين أبنائه، على غرار ما حصل خلال الحرب الأهلية. والمؤسف بأنّ الشباب اللبناني لم يستجب لدعوات الرئيس عون بضرورة الحوار معه، بل يريد دفع البلاد الى الفوضى أو الى حربٍ لا يعرفها ولا يعرف مدى خطورتها وتداعياتها ونتائجها على البلاد. ولفتت المصادر الى أنّه عندما يُطالب رئيس الجمهورية التحاور مع الممثلين عن الحراك المدني، أو مع قائد منهم بهدف «ليس قتله»، كما قال، على ما يروّجون له، إنّما للحوار معه حول تغيير السلطة من فاسدين الى نظيفي الكفّ لتحقيق المطالب المحقّة التي يُوافق عليها الجميع، ولا يتجاوبون بحجّة أن لا قائد لهم وليس هناك متحدّث باسمهم كون كلّ شخص منهم هو ثائر وقائد... فهذا يؤكّد بكلّ وضوح على أنّ الحراك لا يريد أي إصلاحات، إنّما هدفه فقط إسقاط الحكومة والمجلس النيابي ورئيس الجمهورية مقابل خلق الفراغ والفوضى وليس إيجاد سلطة بديلة تُمارس دورها ضمن النظام والدستور. وفي الوقت الذي تُحاول فيه بعض الأحزاب في الداخل جرّ البلاد الى الفوضى المستمرّة بهدف استفزاز حزب الله ودفعه الى استخدام سلاحه في الداخل، على ما حصل في 7 ايّار الشهير، وذلك بهدف استدعاء تدخّل المجتمع الدولي بشكل طارىء واتخاذ قرار نزع سلاحه دوليّاً، شدّدت المصادر نفسها، على أنّ الحزب لن ينجرّ الى مثل هذا الإستفزاز، خصوصاً وأنّه أعلن مراراً وتكراراً بأنّ سلاحه ليس موجّهاً سوى ضدّ العدو الإسرائيلي وليس ضدّ الداخل. ولهذا فإنّ مثل هذه الرهانات ستكون خاسرة لا محالة من قبل كلّ المصطادين في الماء العكر. وتزامناً مع وجود مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وزارة الخارجية الفرنسية كريستوف فارنو في لبنان بهدف استطلاع الوضع العام في البلاد بعد الإنتفاضة الشعبية، تُحاول الأحزاب التي تنزل الى الشارع لخلق الفوضى فقط، تصعيد الوضع الأمني أكثر فأكثر لكي يجد الموفد الفرنسي بأنّ الأمر يستدعي تدخّل المجتمع الدولي فوراً. في الوقت الذي رفضت فيه مجموعات عدّة في الحراك المدني الفعلي تلبية دعوة السفارة الفرنسية لهم للإجتماع بفارنو كونها ترفض أي تدخّل خارجي في الثورة اللبنانية العفوية. ولهذا يأمل بعض المراقبين في أن يتمكّن موفد الرئيس الفرنسي إيمانيول ماكرون من التمييز بين الإنتفاضة الشعبية الحقيقية وبين تدخّل الأحزاب والسفارات الغربية في الحراك المدني لتنفيذ أجندتها بتوطين الفلسطينيين والنازحين السوريين في لبنان، ومنع استفادته بالتالي من قطاع النفط الموعود مع بدء استخراج الكونسورتيوم الدولي له في البلوك 4 في المنطقة الإقتصادية الخالصة قريباً.