كشفت أوساط حزبيّة رفيعة مَحسوبة على قوى «8 آذار»، أنّ الإتصالات التي تمّت مع رئيس حُكومة تصريف الأعمال سعد الحريري خلال الأيّام القليلة الماضية، أسفرت عن تحقيق تقدّم جيّد، لكنّ العقبات الباقية أعادت الأمور إلى نقطة الصفر! وأوضحت أنّ التوافق بين كل من الرئيس الحريري المُستقيل، ووزير الخارجية في حُكومة تصريف الأعمال جبران باسيل، كانت أفضت إلى التوافق على إعادة تكليف الحريري لرئاسة الحُكومة المُقبلة، وعلى إبعاد كل الوجوه السياسيّة المَعروفة - خاصة من وزراء ونوّاب حاليّين، عنها، وأن يُعطى حقّ تسمية الوزراء المُتخصّصين الذين سينضمّون إلى الحُكومة، إلى القوى السياسيّة، وفقًا للأحجام التي أفرزتها الإنتخابات النيابيّة الأخيرة. وكشفت هذه الأوساط أنّ الرئيس الحريري المُستقيل قطع نصف الطريق نحو التكليف بإعطاء المُوافقة مبدئيًا على ما سبق، لكنّه أعاد الأمور إلى نقطة الصفر، نتيجة إصراره على أن تكون الحكومة خاليّة تمامًا من السياسيّين - حتى لو كانوا من الصفّ الثالث، أي بمعنى آخر من الداعمين والمُؤيّدين لحزب أو تيّار مُعيّن، وليسوا من المُنتسبين المَعروفين. وشدّدت الأوساط الحزبيّة الرفيعة المَحسوبة على قوى «8 آذار» على رفض الفريق الداعم لرئيس الجمهوريّة العماد ميشال عون، شرط الحريري المَذكور، لأنّه يُمثّل تنازلاً عن نتائج الإنتخابات الأخيرة وما أفرزته من توازنات داخليّة، ولأنّه يُمثّل أيضًا خُضوعًا للشروط وللإملاءات الأميركيّة، في زمن الإنتصار الإقليمي على المشاريع الأميركيّة لإخضاع قوى المُقاومة والمُمانعة. وكشفت أنّ رئيس الجمهوريّة، والفريق الداعم له، ينتظرون الإجابة النهائيّة التي سيحملها الرئيس الحريري المُستقيل، خلال الساعات القليلة المُقبلة، ليُبنى على الشيء مُقتضاه، مع الإستعداد لكل الخيارات. وأوضحت أنّه في حال وافق على تضمين الحُكومة المُقبلة مجموعة من السياسيّين، سيتمّ بسرعة تحديد الإستشارات المُلزمة، ومن ثم إطلاق عمليّة تشكيل الحُكومة بشكل فوري، على أن تكون عندها عبارة حكومة سياسيّة - تقنيّة، بحيث تجمع بين شخصيّات تتمتّع بخلفيّات سياسيّة واضحة وبسمعة مهنيّة مَرموقة من جهة، وشخصيّات مُتخصّصة في مجال عملها، بعضها سيكون مُمثّلاً للحراك الشعبي، من جهة أخرى. وتابعت الأوساط نفسها، أنّه في حال عدم السير بهذا الإقتراح، أي في حال أصرّ الرئيس الحريري على التنحّي عن مهمّة تشكيل الحُكومة - وهذا ما صار أكثر ترجيحًا، سيتمّ السعي معه لتسمية شخصيّة سنيّة تُمثّله على رأس الحُكومة المُقبلة، وفي حال أصرّ على الرفض مُجدّدًا، سيتمّ الإنتقال مطلع الأسبوع المُقبل، إلى الخطة «باء». ورفضت الأوساط الكشف عن تفاصيل هذه الخطّة الرديفة، مُكتفية بالقول بأنّها خُطة حازمة ومُكتملة، وتهدف إلى منع غرق لبنان بالفوضى المُدمّرة، وإلى منع بعض القوى الداخليّة والخارجيّة، من جرّ الدولة اللبنانيّة إلى الإنهيار، ومن دفع الشعب اللبناني إلى الفقر والعوز والخُضوع للخارج. في المُقابل، رأى مصدر نيابي سابق ينتمي إلى «تيّار المُستقبل»، أنّ اللجوء إلى حوار مُباشر مع رئيس الجمهوريّة، بدلاً من الخطابات المَكتوبة والتي يتمّ عادة إختيار كلماتها وعباراتها بتأنّ وبشكل مدروس، جاء مُتعمّدًا، بهدف تحضير الأجواء لرفع سقف المُواجهة مع رئيس الحكومة من جهة، ومع كل القوى التي تُشارك بالثورة الشعبيّة. وقال إنّ هذا الخُطاب الرئاسي، والذي أصرّ على الإشارة إلى ما إعتبره تردّدًا في موقف الرئيس الحريري، يرمي إلى توجيه رسالة علنيّة حازمة إلى رئيس حُكومة تصريف الأعمال، بأنّ الوقت صار ضيقًا، لحسم خياره، وكذلك إلى تحضير الأجواء، لخطة المُواجهة التي تقضي في حال أصرّ الحريري على أن يكون على رأس حكومة تكنوقراط حصرًا وعلى رفض الحُكومة التكنو - السياسيّة المَطروحة، بأنّ يتم تسمية شخصيّة سنّية أخرى، بأغلبية تزيد على السبعين صوتًا. وأضاف أنّه ما لم يرغب الرئيس الحريري بتسمية البديل عنه كما يُطالبه البعض، سيتم عندها تشكيل حُكومة من لون واحد، مع تطعيمها ببعض الوجوه المُصنّفة مُستقلّة وكذلك بوزراء تكنوقراط، بهدف إمتصاص الغضب الشعبي، بالتزامن مع إطلاق حملة إتهامات وإستدعاءات قضائيّة، لكن مع التركيز على جهة سياسيّة واحدة، كانت تدور في فلك «14 آذار»، وذلك بذريعة إطلاق حملة مُكافحة الفساد وإسترجاع المال المنهوب. ولفت المصدر النيابي السابق نفسه إلى أنّ هذا «السيناريو» القاتم، سيجلب الويلات إلى لبنان في حال تطبيقه، إن على مُستوى هزّ الإستقرار الداخلي أو على مُستوى تبخّر الدعم العربي والغربي، والتسبّب بمزيد من العُقوبات الدَوليّة وبمزيد من الصُعوبات والمآسي، الأمر الذي يدفع الحريري لعدم التسرّع بالتنحّي عن مهمّة قيادة الحُكومة المُقبلة، قبل إستنفاد كل الخيارات، وليس إطلاقًا تمسّكًا بالسُلطة. وختم المصدر كلامه بالقول إنّ الحريري يتعامل مع الأزمة الحالية كأزمة إقتصادية ومالية وحياتيّة تُهدّد لقمة عيش اللبنانيّين، بينما الآخرين يتعاملون معها كمحطة أخرى من محطّات الصراع السياسي في لبنان والمنطقة، وهو لذلك لن يُجاريهم في هذا المنحى وسيترك الساحة لهم في حال رفضوا تشكيل حُكومة خالية من السياسة والسياسيّين، مُهمّتها الوحيدة مُحاولة إنقاذ ما يُمكن إنقاذه.