حتى لو «خان» التعبير رئيس الجمهورية ميشال عون في بعض المفردات خلال اطلالته التلفزيونية، فان التحرك في «الشارع» وقطع الطرقات، وصولا الى المطالبة باقالته، تبدو «مبالغة» مقصودة «ومفبركة» ليس من «الحراك» المطلبي، وانما من ثلاثة احزاب سياسية كانت جزءا من النظام الفاسد الذي حكم البلاد طوال ثلاثة عقود، وبات واضحا انها تعمل جاهدة لاستغلال «الانتفاضة» الشعبية لتحقيق مكاسب سياسية من خلال «خطف» «الشارع» و«اللعب على حافة الهاوية» في «لعبة» «عض اصابع» باتت تهدد بانهيار الاستقرار على «رأس الجميع»... هذه المقدمة ليست استنتاجا، وانما حصيلة معلومات مستقاة من جهات امنية متعددة كانت نصحت دوائر القصر الرئاسي بعدم حصول اللقاء الصحافي للرئيس لان ما توافر من معطيات كان يشير الى وجود «امر عمليات» للمباشرة بقطع الطرقات واثارة «عاصفة» من «الشغب» بعيد الاطلالة الرئاسية، وكانت التقارير واضحة من خلال اشارتها الى ان مناصري حزبي القوات اللبنانية والحزب التقدمي الاشتراكي، قد جهزوا مسبقا خارطة التحركات ونقاط التجمع والطرق التي ستقطع.. والمفارقة ان تعميما داخليا صدر قبل ساعات من اطلالة الرئيس عون لانصار تيار المستقبل للتحرك في بيروت والبقاع والشمال وعلى طريق بيروت - الجنوب، لاثارة «الفوضى»، ومن هنا كانت توصية «الدوائر» الامنية بالغاء المقابلة اذا لم تكن ستحمل قرارات حاسمة اقلها تحديد موعد الاستشارات النيابية، او الاعلان عن حصول توافق سياسي على طبيعة المرحلة المقبلة، لكن هذا لم يحصل، وقد ترجم «السيناريو» المعد بحذافيره على الارض.. ووفقا لاوساط سياسية مطلعة، رفض رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري حسم موقفه من العروض الحكومية التي قدمت له، وكان يفترض ان يعطي اجابات واضحة ليبني رئيس الجمهورية على «الشيء مقتضاه» خلال اللقاء، لكن «بيت الوسط» «غاب عن «السمع» ولم يقدم اي معطيات سلبية او ايجابية، ولذلك لم يكن لدى الرئيس عون اي معطى جدي ليبني عليه موقف حاسم من الملف الحكومي، وبات واضحا ان الرئيس الحريري «يضغط» للحصول على تكليف قبل التوصل الى تفاهمات نهائية على «اليوم التالي»، وهو بذلك يريد ان يسحب «الورقة» الحكومية من قصر بعبدا، وادارة عملية التأليف وفق منهجية ترضيه ولا تظهره ضعيفا..! وكان واضحا ايضا من خلال توقيت التحركات في الشارع ان الفريق «المناوىء» للعهد وحزب الله يريد مواكبة زيارة الموفد الرئاسي الفرنسي بموجة «غضب» عارمة في «الطرقات» لتعزيز قدراته «التفاوضية» مع الفريق الاخر مع العلم ان كريستوف فارنو لم يحمل اي مبادرة واضحة للخروج من الازمة، لكن ثمة رغبة واضحة من هذا الفريق لاظهار قدراته وامكانياته بحضور الموفد الفرنسي في بيروت باعتبار ان تقريره سيشكل «خارطة طريق» للخطوة الفرنسية التالية.. وقد ترجم الحريري موقفه «المتشنج» بعد ظهر امس بابلاغ حركة امل وحزب الله انه مايزال متمسكا بحكومة اختصاصيين ولا رغبة له في مناقشة اي خيار آخر. ووفقا لتلك الاوساط، كشف مقتل امين سر وكالة الداخلية في الحزب الاشتراكي في الشويفات علاء ابو فخر خلال الاشكال في خلدة، التورط المباشر لـ«كليمنصو» في عملية تحريك الشارع، واعطت مسارعة النائب السابق وليد جنبلاط الى تطويق تداعيات الحادث اشارة واضحة لحجم «التخبط» الذي تمر به «المختارة» فمن جهة لا ترغب في الانزلاق الى مرحلة الاهتزاز الامني، ومن جهة اخرى مطلوب منها المشاركة في «الحراك»، مع العلم ان اكثر من جهة سياسية فاعلة سبق وحذرت جنبلاط من الاستمرار في «لعبة» التصويب على العهد ومحاولة ضربه في «الشارع» باعتبارها خطوة خطيرة لا يمكن «هضمها» لدى اكثر من جهة وخصوصا حزب الله الذي رسم امينه العام السيد حسن نصرالله «خطا احمر» حوله منذ اليوم الاول لخروج الناس الى الشارع.. اما القوات اللبنانية فلم يعد يخفى على احد انها «رأس حربة» في التحركات القائمة في المناطق ذات «الاغلبية المسيحية»، وما تزال على موقفها منذ اليوم الاول، «اسقاط» نتائج الانتخابات النيابية في الشارع وضرب «هيبة» العهد، ولا مانع من «اسقاطه» اذا توفرت الظروف، وذلك ردا على ما يعتبره رئيس «القوات» سمير جعجع «خيانة» التيار الوطني الحر بدعم رئاسي، لاتفاق «معراب»، وهو يريد اليوم ان يدفع الجميع ثمن «تمزيقه»... ومن خلال اضعاف «العهد» يجري التصويب على حزب الله من خلال «ضرب» حليفه المسيحي القوي الذي لا تريد واشنطن ان يبقى «مظلة» داخلية «للحزب»... وامام هذه المعطيات، تقود كل الوقائع السياسية والميدانية الى استنتاج واحد، ثمة من يدفع البلاد الى «الانهيار»، وبوادر الانفجار الكبير في الشارع بدأت بالامس، وبحسب اوساط وزارية بارزة، تريد واشنطن حكومة يدفع فيها حزب الله ثمنا سياسيا بخروجه منها، كمقدمة في وقت لاحق لوضع ملف «سلاحه» على «الطاولة»، وهذا الخيار لا يبدو واقعيا في ظل موازين القوى القائمة حاليا في البلاد، ما يحصل الان محاولات واضحة لتغيير هذه «المعادلة» ما يترك الامور مفتوحة على كافة الاحتمالات، ولا حل الا بعودة «الرؤوس الحامية» الخارجية والداخلية الى ارض الواقع، خصوصا ان الفريق المحسوب على محور المقاومة لا يزال يتعامل بدرجة كبيرة من «الاستيعاب» للازمة، وقد بذل الكثير من الجهود لاقناع رئيس الجمهورية باعادة تكليف الرئيس الحريري، لكن هذا الخيار قد لا يبقى على «الطاولة» اذا ما استمر الفريق الاخر يمارس عملية «الابتزاز» القائمة في السياسة وفي «الشارع»، وثمة «خطط» بديلة باتت جاهزة لمنع «سقوط البلاد في «الهاوية»، ويبقى التعويل على «حكمة» الجيش، لادارة الملف الامني، اقله في هذه المرحلة، في ظل «تلكؤ» يطرح اكثر من علامة استفهام لوزارة الداخلية..!