في تلك الليلة الليلاء، من هم الذين تمنوا، أو راهنوا، أو خططوا، من أجل أن تحترق بيروت. من أجل أن يحترق لبنان؟ حتى الساعة، لم ندر لماذا كانت المقابلة التلفزيونية التي ألهبت الشارع. حضرات المستشارين، وأحدهم أنفه يلامس المريخ، لم يعلموا (وكيف يعلمون؟)، أن هناك من ينتظر أي كلام من القصر لدفع الأمور نحو الانفجار. أليس هذا ما يبتغيه مايك بومبيو وأتباعه في الداخل كما في الاقليم؟ لبنان حافل بالحالات، أو بالظواهر، النرجسية، والقبلية، التي لم تتوان، يوماً، عن محاولة جر لبنان الى المنطقة الساخنة من الصراع. الحوار التلفزيوني أتى بعد يوم واحد من خطاب السيد حسن نصرالله الذي آثر عدم التطرق الى المشهد الداخلي، تاركاً للاتصالات أن تأخذ مجراها. هو الأكثر معرفة الى أي مدى وصلت خطوط الاتصال، والتواصل، بين شخصيات سياسية لبنانية وعواصم اقليمية ودولية لاستعادة السيناريو اياه. تفجير لبنان وتفكيكه من خلال التوظيف المبرمج للشارع. لماذا، اذاً، تكلم الرئيس ميشال عون؟ لكي يقول لنا ان دستور الجمهورية الثانية أحدث اختلالاً دراماتيكياً في الصلاحيات. الأسئلة بدت وكأنها موجهة الى من يمتلك صلاحيات الآلهة (أو أنصاف الآلهة). الأجوبة أقرب ما تكون الى الدفاع عن النفس. القول للناس... حتى الآن ما زلنا في الدوامة. بانتظار من؟ بانتظار ماذا؟ لعل حضرات المستشارين، بذهنية شعراء البلاط، لا يعلمون ما هو وضع الرئيس سعد الحريري، وكيف تلتف الخيوط الأميركية، وغير الأميركية، حول بيت الوسط. لا شراكة مع حزب الله، ولا الدخول، مرة أخرى، في أي تسوية يكون الحزب طرفاً فيها. ليقل لنا الأميركيون، وليقل لنا العرب، كيف يمكن الغاء حزب الله، أو اقصاؤه، أو اغفاله، في أي خارطة طريق تتوخى الانتقال بالبلاد، وسط هذه الأمواج المتلاطمة، الى بر الأمان؟ مثلما هناك من يلعب دور البهلوان في الحلبة، هناك من يلعب دور الثعبان. وزير الداخلية الفرنسي كريستوف كاستانير قال لأصحاب السترات الصفراء «لا تدعوا الثعابين تتسلل الى آلامكم». بالعين المجردة نشاهد الثعابين، وهي تطل من الشقوق. هذه طبقة سياسية ترعرعت على يدي دراكولا. لا شيء بقي من الدولة سوى وجوههم (طرابيشهم) الغراء. طبقة الطرابيش الفارغة أم طبقة الرؤوس الفارغة؟ من الطبيعي أن ينتقل الناس من ثقافة الأنين الى ثقافة الصراخ. أن تزلزل الأصوات العارية، والرائعة، هياكلهم العظمية لا جدران قصورهم فقط، ولا ثرواتهم التي استقرت في البنوك السويسرية. أحدهم استعان بطائرة خاصة لنقل الأونصات الذهبية الى الخارج. صاحب المعالي الذي لم يكن يمتلك ثمن علبة «طاتلي سرت» بات الآن يحدثك عن أرقى أنواع السيكار، كما لو أنه سقط للتو من سروال ديفيد روكفلر، أو من سروال جورج سوروس. في تلك الليلة الليلاء. ثمة من كان يعلم أن الاتصالات ارتطمت بالحائط. أعدّ، بحرفية لافتة، للّيلة الليلاء، ليكتشف الراقصون فوق أكوام الحطب أنهم قد يكونون ضيوف الشرف على المحرقة. الفرنسيون نصحوا بعدم السقوط في غواية الخراب. ألم يقل مايك بومبيو لنائب لبناني، بين أطباق الكافيار وكؤوس النبيذ (وشفاه مارلين مونرو) «استعد للقب صاحب الفخامة، قريباً لن يكون هناك حزب الله»؟ الوزير الأميركي كان يقول... قريباً لن يكون هناك لبنان. اشتدي ازمة تنفرجي. هذا هو مطلع قصيدة بن نحوي. الكل استشعر أن النيران تقترب من جلده. تماثيل الرخام، ولعلها تماثيل الملح، اهتزت. لتكن آخر ايام الطبقة السياسية. لا بديل عن التسوية في هذه الظروف القاتلة. التسوية تقترب...