هل دخل لبنان مرحلة الفوضى الإقتصادية والمالية؟ العقوبات الأميركية تُلقي بظلّها على تشكيلة الحكومة بروفسور جاسم عجاقة شَهِدَت الثماني والأربعون الساعة الماضية تطورات خطيرة على الأرض عكست المنحى التصاعدي للأزمة والذي يُنذر بزيادة مستوى المخـاطر الأمنية والإقتصــادية والمالية.

التظاهرات أخذت منحى جديداً بعد خطاب رئيــس الجمهورية يوم أوّل من أمس، وبغــضّ النظــر عن الأبعـاد السياسية والأمنية التي لا تدّخل ضمن نطــاق هــذا المقال، فإن هذا المنّحى الجديد يُنذر بتــردّي الوضــع الإقتصادي والمالي بشكل ملحوظ في الفترة المقبلة.

} تداعيات التصعيد }

الترّجمة الفعلية لهذا التصعيد تتمثّل بتردٍّ على الصعد التالية:

أولاً- إقتصاديًا: الإضراب الذي يطال العديد من المؤسسات الإقتصادية والتربوية والذي يؤثّر سلبًا على النشاط الإقتصادي ما سيدّفع العديد من المؤسسات إلى صرف عمّالها وموظّفيها خصوصًا الوظائف الهشّة (لا ضمان...). هذا الأمر سيرفع من البطالة وبالتالي يُقلّل من الإستهلاك ومعه الناتج المحلّي الإجمالي. وتراجع هذا الأخير سيؤدّي حكمًا إلى تراجع مداخيل الخزينة العامّة. الجدير ذكره أن نسبة مداخيل الدوّلة على النشاط الإقتصادي هي 14.5% وهو ما يدلّ على المستوى العالي للتهرّب الضريبي!

أيضًا يأتي التضييق على حركة الدولار الأميركي وخصوصًا دولار «الإستيراد» ودولار «المنزل» ودولار «التهريب» ليزيد من الأزمة مع عدم قدّرة العديد من المؤسسات «التجارية» على الإستيراد كما هي العادة نظرًا إلى إرتفاع كلفة الإستيراد مع إرتفاع كلفة دولار الإستيراد. ولم يُخفّف دولار التهريب من الأزمة إذ رصدت المصارف سحب أموال طائلة بالليرة اللبنانية من الصراف الآلي التابعة للمصارف والتي يتمّ الذهاب بها إلى سوق الصيّرفة لشراء الدولارات بأسعار عالية. وقد تمّ رصد الفئة التي ينتمي إليها الأشخاص الذين يسحبون هذه الأموال ليتبيّن أنها بمعظّمها دولارات تهريب!

ثانيًا- ماليًا: أخذت مداخيل الخزينة العامّة بالتراجع منذ أيلول الماضي (أي قبل الإحتجاجات الشعبية) وذلك تحت وطأة زيادة أزمة دولار «التهريب» ودولار «المنازل». هذه الأزّمة التي أتت كنتاج لتخفيض تصنيف لبنان الإئتماني وتخلّف الدوّلة عن إستيفاء شروط مؤتمر سيدر والضغطّ السياسي الدوّلي في الملفات الإقليمية، أسّست لتراجع كبير في مداخيل الدوّلة وما غياب الأرقام على بوابة وزارة المال (متوافرة لشهر تموز وما قبل) إلا دليلاً واضحاً على تراجع هذه المداخيل. أضف إلى ذلك أن الكلّفة إرتفعت على خدّمة الدين العام حتى لو أن مصرف لبنان هو من سيتحمّل هذه الكلفة، إلا أن الواقع الآليم تُجسّده أسعار سندات الخزينة اللبنانية بالدولار الأميركي في أسواق لندن والتي إنخفضت بشكل كبير وما زالت تنخفض حتى الساعة.

ثالثًا- نقديًا ومصرفيًا: من المعروف أن الهدف الأساسي لإحتياطات مصرف لبنان هو الدفاع عن الليرة اللبنانية مقابل الدولار الأميركي. وحجم الإحتياط اليوم أكثر من كافٍ للدفاع عنها وتأمين إستقرار نقدي يُعتبر أساس الإستقرار الإجتماعي. إلا أن هناك مُشكلة تفرضها حالة المالية العامّة وهي قيام مصرف لبنان بسدّ إستحقاقات الدوّلة اللبنانية بالدولار الأميركي (إستحقاقات الدين العام بالدرجة الأولى) مما يعني أن مصرف لبنان سيدّفع هذه الأموال إمّا من أرباحه أو من إحتياطاته. وفي كلا الحالتين هناك تداعيات سلبية على الإستقرار النقدي. هذا التداعيات لن تظّهر في المدى المنظور نظرًا إلى أن الإحتياطات ما زالت قادرة على تغطية الإستحقاقات المتوقّعة.

رابعًا- مصرفيًا: ودائع الزبائن في المصارف اللبنانية محمية بعاملين، رأسمال المصارف والإحتياطي الإلزامي. ويُشكّل التعميم الأخير الذي أصدره مصرف لبنان ويطلب فيه من المصارف زيادة رأسمالها بنسبة 20% أي ما يوازي 4 مليار دولار أميركي، عنصر ثقة إضافي. وهذا يعني أن لا خوف على الودائع ولا على المصارف في ظلّ توافر الأمّوال. إلا أن تردّي المالية العامّة وإحتمال تحميل القطاع المصرفي قروضاً بفوائد مُخفّضة يضغ ضغوطًا كبيرة على هذه المصارف خصوصًا مع إستمرار الطلب على دولار التهريب، دولار المنازل ودولار الإستيراد! خامسًا- إجتماعيًا: إرتفاع البطالة الناتج عن صرف الموظّفين وحتى خفض أجور البعض الأخر، سيكون له تداعيات إجتماعية كارثية على صعيد الفقر، حيث ستزيد نسبة العائلات التي ستقع تحت خطّ الفقر إلى 50% كما سبق وأعلن وفد البنك الدوّلي الذي زار رئيس الجمهورية الأسبوع الماضي!

} العقوبات الأميركية! }

من المعلوم أن الولايات المتحدة الأميركية تضّغط على حزب الله منذ فترة حيث كانت أخر الخطوات التي قامت بها هي العقوبات التي فرضتها على جمّال تراست بنك. ومن الطبيعي القولّ أن لا رغبة أميركية لتشكيل حكومة يكون فيها حزب الله شريكًا.

لذا ومع رفض الرئيس الحريري تشكيل حكومة فيها حزبيون، وبما أن فخامة رئيس الجمّهورية يتجه إلى تكليف شخصية غير الحريري ليكون رئيساً لحكومة تضمّ سياسيين وتقنيين كما سبق وصرّح في المقابلة التلفزيونية الأخيرة، لذا من المتوقّع أن يكون هناك ردّ أميركي من بوابة العقوبات التي ستتسع مروحتها عاموديًا وأفقيًا.

وبتحليل لنوع العقوبات التي ستفرضها الولايات المُتحدة الأميركية على لبنان في حال كانت الحكومة الجديدة حكومة تحدٍّ لها، نستخلصّ ما يلي:

أولاً- توسيع مروحة العقوبات لتطال شخصيات رسمية قد تعتبرها واشنطن مستوفية شروط العقوبات. والصعوبة الأكبر إذا طالت هذه العقوبات وزارء في الحكومة الجديدة وهو سيكون سابقة في لبنان لكن ليس إقليميًا؛

ثانيًا- فرض عقوبات على كلّ شركة تستثمرّ في لبنان وهو ما قدّ يكون خطيرًا جدًا نظرًا إلى أنه قد يطال شركات كونسورتيوم النفط وهو ما قدّ يُهدّد مُستقبل إستخراج النفط.

ثالثًا- فرض قيود على تحاويل المُغتربين اللبنانيين إلى لبنان والتي تُشكّل أكثر من 15% من الناتج المحلّي الإجمالي اللبناني؛

رابعًا- فرض قيود على إستيراد لبنان من الخارج وهو ما قدّ يُشكّل ضربة إجتماعية للبنان مع ما قدّ ينجم عن ذلك من تراجع على الصعيد الإجتماعي؛

خامسًا- فرض عقوبات على مصارف تُخالف العقوبات الأميركية ولجم توافد الودائع الأجنبية على لبنان عبر الضغط على مودعين أجانب إن عبر التقارير المالية أو عبر إستثماراتهم في الخارج. وهذا الأمر نُصنّفه الأخطر نظرًا إلى أن النظام المالي اللبناني والنموذج الإقتصادي الحالي يعتمدان بشكلّ أساسي على توافد رؤوس الأموّال؛

سادسًا- من وحي البند السابق، نرى أنه من الصعب جدًا أن يتمّ تحرير أموال سيدر نظرًا إلى أن البنك الدوّلي (المموّل الأوّل) يقع ضمن نطاق التأثير الأميركي كذلك الأمر بالنسبة للدوّل الأخرى (أوروبية، خليجية...).

في الواقع تُشكّل العقوبات الأميركية التهديد الأكبر على لبنان في ظلّ الصراع الأميركي من جهة والإيراني - الروسي من جهة أخرى! ويُمكن القوّل أنه مهما كان شكل الحكومة التي سيتم تشكيلها في الأيامّ المقبلة، فإن لبنان ما بعد 17 تشرين الأول لن يكون كما كان قبله، وقدّ نكون على موّعد مع المزيد من الأزمات القاسية في الفترة المُقبلة.