أوفدت فرنسا الى بيروت مدير دائرة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في وزارة الخارجية الفرنسية كريستوف فارنو بهدف إستطلاع الوضع الحالي في لبنان ولقاء بعض السياسيين والمسؤولين والعسكريين وممثلين عن المجتمع المدني لا سيما بعد انطلاقة الإنتفاضة الشعبية منذ 17 تشرين الأول الفائت، والتي أدّت كخطوة أولى الى استقالة حكومة الرئيس سعد الحريري، ودخول لبنان في نوع من «الفراغ» الحكومي. ورأى البعض في هذه الزيارة «تدخّلاً في شؤون لبنان الداخلية»، رغم أنّ بعض المتظاهرين من الحراك قد طالب بتحرّك المجتمع الدولي لإنقاذ لبنان من الأزمة التي يمرّ بها، (حتى أنّ البعض طالب بـ «وصاية جديدة» أو «انتداب جديد» على لبنان)، وقد استجابت فرنسا دون سواها للنداء بالدرجة الأولى...

أوساط ديبلوماسية مطّلعة على هذه الزيارة وجدت في اهتمام فرنسا أمراً طبيعياً وتلقائياً، سيما أنّها عادت لتعتبر نفسها «الأم الحنون» للبنان في عهد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. والكلّ يذكر كيف تحرّك بسرعة فائقة عندما ضغطت السعودية على الحريري ودفعته الى تقديم استقالة حكومة العهد الأولى من الرياض (في 4 ت2 من العام 2017)، كما حجزت حريته الى أنّ تدخّل الرئيس ماركون شخصياً، تلبية لنداء رئيس الجمهورية العماد ميشال عون الذي أعلن آنذاك «أنّ الحريري محتجز وموقوف وحريته محدّدة في مقرّ احتجازه»، معتبراً ذلك «عملاً عدائياً ضدّ لبنان».

وأكّدت الاوساط أنّ الموفد الفرنسي يأتي للمساعدة على «تسهيل تشكيل الحكومة الجديدة للبنان»، وليس لتسمية أسماء الوزراء التي ستتألّف منها أكانوا من الحراك المدني أو من التكنوقراط أو محسوبين على بعض الأحزاب خصوصاً بعد أن وصلت الى مسامع فرنسا أنّ الرئيس الحريري لا ينوي العودة الى رئاسة الحكومة، كما سينقل اليهم قلق فرنسا العميق من تدهور الوضع في البلاد. كذلك فإنّ الدعوة الى الإستشارات النيابية الملزمة لم تحصل بعد ولم يُعرف أي إسم سنّي ستعمد الكتل النيابية الى تسميته لتكليفه تأليفها. وشدّدت على أنّ الرئيس الفرنسي يُفضّل عودة الحريري سيما أنّ الدعم الإقتصادي للبنان عن طريق مؤتمر «سيدر» قد جاء على عهده، ولكن في حال أصرّ المتظاهرون على عدم عودة أي من الطبقة السياسية الحالية، فعندها ستُشجّع فرنسا على تشكيل حكومة جديدة في أقرب وقت ممكن بهدف إحياء خطة المساعدات الإقتصادية للبنان لإنقاذه وإنعاش اقتصاده سريعاً. علماً بأّنّ عدداً من الدول والمنظمات المانحة في «سيدر» بدأت تُعبّر عن قلقها بشأن قدرة السلطات اللبنانية على تحقيق الإصلاحات الإقتصادية المطلوبة لا سيما بعد استقالة الحكومة الحالية.

وأوضحت الأوساط نفسها أنّ الموفد الفرنسي سيرفع تقريراً عن لقاءاته بالمسؤولين اللبنانيين كما بعدد من ممثلي بعض المجموعات من الحراك المدني، يورد فيه ما جاء خلال محادثاته معهم حول الأزمة الراهنة والشرخ الكبير الحاصل بين السلطة والشعب. والهدف من تقريره هذا، هو القيام بمبادرة ما، على المستوى الأوروبي أو على المستوى الدولي، من شأنها تحريك الجمود السياسي الحالي المرشّح للإستمرار طويلاً في حال بقيت السلطة تأخذ وقتها في تشكيل الحكومة الجديدة من جهة، وبقي المتظاهرون من جهة ثانية، يشلّون في كلّ يوم حركة وزارة أو مؤسسة عامّة من أجل التوصّل الى إسقاط جميع السياسيين وفق عبارة «كلّن يعني كلّن». علماً بأنّ الجمود في حال طال أشهراً عدّة سيؤدّي الى الإنهيار الكبير على مختلف المستويات.

وتجدر الإشارة الى أنّ منظمات غير حكومية عدّة وجمعية «بيروت مدينتي» قد اعتذرت عن تلبية الدعوة التي وُجّهت الى عدد من أعضائها للقاء فارنو انسجاماً مع إيمانها المطلق والثابت بسيادة الدولة اللبنانية وقدرتهم على بناء دولة من دون أي «مساعدة»، أو وساطة أو تدخّل خارجي، رافضة «أي شكل من اشكال الهيمنة» سواء كان داخليّاً أو خارجياً، ومشدّدة على أنّ «هذه الثورة هي ثورة اللبنانيات واللبنانيين حصراً»، وأنّ مطالب الناس والثوّار واضحة لا حاجة لتفسيرها خارج الشارع والساحات. وهذا الموقف سينقله فارنو بطبيعة الحال الى رئاسة بلاده.

غير أنّ موقف فرنسا يُناقض هذا الموقف، على ما عقّبت الأوساط نفسها، سيما أنّها تعتبر أنّ لبنان يكتب صفحة جديدة من تاريخه ويحتاج الى من يُساعده في ذلك، ولهذا يقوم فارنو خلال زيارته الى لبنان التي تستمرّ حتى يوم الخميس بلقاء جميع الأطراف في لبنان لنقل صورة واضحة عن توجّهات ومطالب كلّ منها. وشدّدت على أنّ الرئاسة الفرنسية لن تقوم بالطبع بأي شيء خارج إطار الدستور اللبناني الذي يحفظ حقوق الجميع. فهل سيتمكّن الموفد الفرنسي من القيام بمبادرة أو وساطة لإعادة الثقة المفقودة بين السلطة والشعب والبدء بصفحة جديدة من تاريخ الوطن تتمّ فيها مكافحة الفساد واستعادة الأموال المنهوبة ورفع السريّة المصرفية عن أموال السياسيين؟!