في موسوعته «الأمبراطورية الأميركية»، لاحظ الفرنسي كلود جوليان، وقبل ظهور الشبكة العنكبوتية (الانترنت) بعقود، أن ما من ديانة منزلة، مثل الديانة الأميركية، تمكنت من احداث تلك السلسلة من الانقلابات الدراماتيكية في حياة البشرية، من القنبلة النووية الى «الهوت دوغ»، مروراً بـ«الروك اند رول»، وسراويل «الجينز» و«الكوكا كولا»...

قال «في كل منا شيء من أميركا التي تجاوزت، في تأثيرها، الديانات الثلاث»، من هنا ظهرت تلك الايديولوجيات الفوضوية، بعدما عجزت الشيوعية، كنظرية فذة أنتجها العقل البشري، عن اختراق الفردوس الأميركي.

الأميركيون لم يغزوا الأدمغة، والأسواق، بالاغواء فقط، بالقوة الضاربة، ادارة الكرة الأرضية، الولايات المتحدة في كل مكان. جوليان سأل ما اذا كانت خططت لاقامة قاعدة عسكرية في العالم الآخر.

السيد حسن نصرالله أثار، في كلمته الأخيرة، مسألة في منتهى الحساسية، لبنان في حالة اقتصادية، ومالية، كارثية، لا دولة عربية، ولا دولة غربية، أكترثت به، على العكس، واشنطن، وعواصم عربية، لا تريد للدولة اللبنانية سوى أن تكون الكازينو، وقفت في وجه أي دولة تحاول المساعدة على الخروج من الهاوية.

الصينيون عرفوا بشغف الاستطلاع، منذ 4500 عام، اجتاز الصينيان «تسي» و«هو» مضيق بيرنغ الى الأرض التي عرفت، لاحقاً، بـ«أميركا»، أي قبل كريستوف كولومبس بنحو 4000 عام.

رجال أعمال لبنانيون نقلوا الينا «افتتان» الصينيين بالموقع الجيواقتصادي، والموقع الحضاري، للبنان، هنا واجهة الشرق الأوسط، هم من قاموا بتطوير مرفأ حيفا، لاحظوا أن صعوبات شتى تحول دون تحويله الى مرفأ اقليمي، تحدثوا عن مرفأ بيروت، بالمواصفات التي تمكّنه من أن يكون المـرفأ المركزي في المنطقة،

طرحوا أيضاً موضوع انشاء مصرف صيني في بيروت يفتح قنوات التعامل مع الاقليم.

العروض الاستثمارية التي قدمها الصينيون تتخطى الـ 12 مليار دولار، المشروعات تطلق ديناميكة اقتصادية مذهلة اذا ما أخذ بالاعتبار مدى الاستقطاب اللبناني، بما في ذلك الاستقطاب الوجداني، في المحيط العربي،

من رفع «الفيتو» في وجه التنين؟ مثل الدول العربية الأخرى، سياسيون لبنانيون يدينون ببقائهم للمظلة الأميركية، بين هؤلاء الساسة من يرتبط بالأجهزة، أو بالمصالح، الأميركية، بايعاز من واشنطن تتولى دول خليجية تمويل «أحزاب آخر زمان» في جمهورية «كل مين ايدو الو».

ثمة نظرة أخرى للمسألة، الأسنان الأخطبوطية للولايات المتحدة في منتهى الضراوة، الاساطيل، أجهزة الاستخبارات، تتواجد حتى في غرف النوم، الصينيون الذين يحتاجون الى عشر سنوات على الأقل لبناء قوة أمبراطوارية (وقد باشروا في تنفيذ الخطة)، يستخدمون اللغة المخملية في استراتيجيتهم الاقتصادية.

لم يستطيعوا أن يستعيدوا تايوان، وهي الأرض الصينية، من القبضة الأميركية، حتى هونكونغ التي عادت اليهم بموجب الاتفاقية مع بريطانيا، تبدو وكأنها عصية على... التنين.

«الثوار» في شوارع لبنان، والكثيرون منهم يدركون كيف تخنق الولايات المتحدة لبنان اقتصادياً، ومالياً، لم يرفعوا شعاراً واحداً اعتراضاً على هذا الواقع، اصوات كثيرة ارتفعت ضد سوريا، وضد «حزب الله»، وضد ايران، على أنهم مسؤولون عن كل ويلاتنا...

أي ثورة تلك اذا لم تصرخ في وجه من يؤمنون الحماية لمصاصي الدماء؟ غريب أنهم لم يقرأوا عن المسار الخاص بـ «صفقة القرن»، حيث انهاك دولنا عسكرياً أو اقتصادياً لتكون الدمى الراقصة حول الهيكل.

ولنبق، حتى اشعار آخر، في الهاوية...