التباين في المعلومات بشأن مسار التأليف والتشكيل كبير إلى حدّ التناقض، حيث أنّ الصيغ المَطروحة في الإعلام مُتضاربة، والمُعلومات بشأن الخيار النهائي لرئيس الحُكومة المُستقيل سعد الحريري بالنسبة إلى مسألة التشكيل، تتحدّث عن الشيء ونقيضه! فأين هي الحقيقة من كل ما يجري من إتصالات؟

بحسب أوساط سياسيّة مَحسوبة على «بيت الوسط»، إنّ التضارب بشأن رغبة رئيس حُكومة تصريف الأعمال بالعودة إلى رأس السُلطة التنفيذيّة من عدمه، يعود إلى أنّ الرئيس الحريري لا يُمانع أن يتمّ تكليفه مُجدّدًا مهمّة تشكيل الحُكومة المُقبلة، إذا ما حظي بإجماع سياسي على ذلك وبالغطاء الشعبي أيضًا، لكنّه يرفض أن يكون رئيس حُكومة لا تحظى بفرصة جدّية لإنقاذ الوضع الحالي، لجهة تركيبتها أوّلاً، وصلاحيّاتها ثانيًا، وحيازتها على ثقة أوسع شرائح مُمكنة من الشعب اللبناني ثالثًا. وكشفت الأوساط نفسها أنّ الرئيس الحريري حاول التخلّي عن المُهمّة، لأنّه لا يريد أن يقود حكومة تقليديّة مُطعّمة بوجوه مُستقلّة وتكنوقراط، حتى لو أنّ التمثيل السياسي فيها مُكوّن من وجوه جديدة، باعتبار أنّها لن توقف برأيه ما يحدث في الشارع من إحتجاجات، ولكونه لا يريد أن يكون مسؤولاً عن أي إنهيار يُمكن أن يحصل، بسبب عدم تلبية طلب شرائح واسعة من المُواطنين بحكومة من غير الطبقة السياسيّة تُركّز كل عملها على مُعالجة الأوضاع الإقتصاديّة والمالية، وتلقائيًا وحُكمًا على كل الأوضاع المعيشية والحياتيّة. وقالت إنّ السبب الذي دفع الرئيس الحريري إلى عدم إعلان تنحّيه حتى الساعة عن تشكيل الحُكومة، بعد العقبات التي واجهت المُفاوضات التي جرت بشأن المسار الحُكومي خلال الأيّام الماضية، يعود إلى إعطائه فرصة إضافية للإتصالات، ورفضًا لمُحاولات إتهامه بالتهرّب من المسؤولية عندما واجه لبنان واحدة من أحلك الظُروف في تاريخه، إضافة إلى خشيته من الوقع السلبي لهكذا قرار على الأجواء الداخليّة غير المُستقرّة أصلاً. وأضافت أنّ الرئيس الحريري يخشى ضُمنيًا أيضًا، من مُحاولة بعض الجهات إستغلال مطالب الناس المُحقّة بالمُحاسبة وبإسترجاع الأموال المَنهوبة، للتصويب عن غير وجه حقّ على شخصيّات مَحسوبة «على خط الرئيس الحريري الشهيد» بشكل مُتعمّد وإنتقائي، بهدف الإنتقام السياسي وليس إحقاقًا للعدالة.

وعلى خط مُواز، أكّد وزير سابق يُعتبر من الوزراء المُستقلّين الذين يحظون بإحترام الرأي العام اللبناني، أنّ الرئيس الحريري يريد حكومة مُصغّرة من 14 وزيرًا، خالية من الشخصيّات السياسيّة التقليديّة، على أن تُمنح صلاحيّات إقتصاديّة ومالية واسعة، بحيث لا يتم عرقلة مشاريعها الإصلاحيّة في مجلس النواب الذي يخضع لسيطرة القوى الحزبيّة المُختلفة. وأضاف أنّ هذا الخيار مَرفوض من قبل «حزب الله» و«التيّار الوطني الحُرّ» اللذين يصرّان على حكومة تكنو - سياسيّة متوسّطة الحجم بين 18 و24 وزيرًا، بحيث تجمع وُجوهًا مُمثّلة للحراك الشعبي من جهة، ووُجوهًا سياسيّة من جهة أخرى، من دون مُمانعة أن تكون الشخصيّات السياسيّة من الوُجوه الجديدة والمُتخصّصة في مجال أعمالها، لكن بشرط أن تعكس بحُضورها التمثيل السياسي الذي أفرزته الإنتخابات الأخيرة، وأن تتمتّع بالحد الأدنى من الخلفيّة السياسيّة للتعامل مع مشاكل حيويّة، مثل ترسيم الحدود، وإستخراج النفط، وإعادة النازحين، والعُقوبات والضُغوط على لبنان، إلخ. ورأى أنّ «حزب الله» يُعارض خيار الحُكومة المُستقلّة كليًا، لأسباب سياسيّة بالدرجة الأولى، مُرتبطة بالصراع في المنطقة وبالعُقوبات المُتصاعدة عليه وبالمُحاولات المُستمرّة لحصاره، في حين أنّ «التيار الوطني الحُرّ» يُعارض لأسباب مُرتبطة برفض وضعه في خانة الفاسدين، ولأنّه يريد أن يبدأ بتنفيذ المشاريع الإصلاحيّة التي وعد بها، مُستفيدًا من خروج الوزراء الذين كانوا يُعارضون من الداخل، وكذلك من الزخم الشعبي الذي يُطالب بالإصلاح.

وتابع المَصدر الوزاري السابق، أنّ رفض «الثنائي الشيعي» و«التيّار» تنحّي الرئيس الحريري عن مهمّة التشكيل، يعود إلى أنّه يؤمّن الغطاء السياسي على مُستوى التوازنات الداخليّة، لكون «تيّار المُستقبل» هو المُمثّل الأقوى في طائفته. واعتبر أنّ قوى «8 آذار» مع «التيّار»، تُصرّ - أقلّه حتى تاريخه، على إستبعاد خيار حُكومة اللون الواحد، والتي قد تقود لخيارات مُواجهة غير مؤاتية حاليًا مع بعض الجهات الخارجية. وقال إنّ الجُهود مُستمرّة لإقناع الرئيس الحريري بقُبول مهمّة التكليف، بهدف ضرورة مُشاركة الجميع بمساعي مُعالجة مشاكل بدأت قبل نحو ثلاثة عُقود، ولأنّ الحريري يتمتّع بموقع دَولي يسمح له بمُتابعة تنفيذ مُقرّرات مؤتمر «سيدر»، بالتعاون خاصة مع الجانب الفرنسي، مع الإشارة إلى أنّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون قرّر الدُخول بقُّوة على خط الجُهود القائمة لتذليل العقبات أمام ولادة الحُكومة. وأمل المصدر أن تُحقّق جولة مُدير دائرة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في وزارة الخارجية الفرنسيّة، السفير كريستوف فارنو، المُرتقبة في لبنان، على عدد من كبار المسؤولين الرسميّين، إضافة إلى مجموعة من المسؤولين السياسيّين والحزبيّن، نتائج إيجابيّة في ظلّ الضغط الذي يُمارسه المُجتمع الدَولي لولادة الحُكومة بأسرع وقت.