حسم «حزب الله» قراره بأن شكل الحكومة سياسية اولا ومطعمة باختصاصيين اذا لزم، وهو ما كانت عليه حكومات سابقة في لبنان كما في الحكومة الحالية المستقيلة، فيها وزراء سياسيون وآخرون من أصحاب اختصاص، ولو سمتهم احزاب وتيارات سياسية.

فالظرف السياسي، هو الذي يفرض شكل الحكومة، كما الوضع الشعبي المتأثر بأزمات اقتصادية واجتماعية، وما كان بعد اتفاق الطائف الذي انتج دستوراً، ليس كما قبله، اذ اصبح رئيس الجمهورية مقيداً دستورياً باستشارات نيابية ملزمة، هي التي تسمي الرئيس المكلف لتشكيل الحكومة، وعليه ان يحظى بأكثرية نيابية، متوافرة للرئيس سعد الحريري حالياً، اذا التزم ان تكون الحكومة سياسية او مضافاً اليها شخصيات كفوءة وصاحبة خبرة ونظيفة، حيث تقف العقدة هنا، ان يقتنع الحريري بهذا الشكل من الحكومة ليحظى بتأييد كتل نيابية «ككتلة التنمية والتحرير»، و«الوفاء للمقاومة» و«لبنان القوي»، و«تيار المردة»، و«الكتلة القومية الاجتماعية»، ويشكلون الاكثرية النيابية، وفق مصدر نيابي، الذي يؤكد أن لا خلاف على تكليف الحريري ترؤس الحكومة من جديد، بل العقدة، هي حول هوية الحكومة، التي ما زال الحريري يشترط ان تكون «تكنوقراط»، وهي لها تفسير واحد، اخراج «حزب الله» من الحكومة، ومعه حلفاء له، وهو ما يرفضه «حزب الله».

وقد أبلغ حسين الخليل، المعاون السياسي للامين العام «لحزب الله»، الرئيس الحريري عندما التقاه، بأن قرار الحزب هو مع حكومة سياسية، وكل حكومة اخرى تحت اي مسمى، ستكون استجابة لقرار اميركي بأن لا يكون «حزب الله» فيها، لانه سبق للادارة الأميركية، وطالبت بأن لا يكون في اي حكومة، لانه مصنف بجناحيه العسكري والسياسي، بأنه تنظيم «ارهابي»، وفق ما يقول المصدر الذي يشير، الى ان السيد نصرالله عندما تحدث عن مؤامرة بدأت تحاك على لبنان، وتستغل المطالب الاجتماعية والمعيشية والاصلاحية المحقة للمتظاهرين، التي أدخلتها جهات حزبية في التسييس.

فالحكومة الخالية من وجود «حزب الله» فيها، سبق وطرح هذا الموضوع، اثناء تشكيل حكومة الرئيس تمام سلام، حيث اشترط الحريري عودته من سوريا التي ذهب اليها لمساندة النظام فيها ضد الجماعات الارهابية في عام 2013، ولمنع توسعهم باتجاه لبنان من الحدود الشمالية - الشرقية، وقد مر 11 شهراً والحكومة لم تتألف، الى ان اعلن الحريري ربط «نزاع مع حزب الله»، بأن يبقى في سوريا، وتشكل الحكومة، وهذا ما حصل.

وبدأت مشاركة «حزب الله» في الحكومات، منذ عام 2005، بعد الانسحاب السوري من لبنان، اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري، لانه رأى ان دخوله الحكومة يحمي سلاحه، يقول المصدر، الذي يكشف عن الانقلاب الذي حصل على «التحالف الرباعي» الذي قام في الانتخابات النيابية عام 2005، وضم كلاً من «تيار المستقبل» والحزب التقدمي الاشتراكي وحركة «امل» و«حزب الله»، وحاولت قوى 14 آذار الاستئثار بالحكم، عبر حكومة لها اكثرية فيها، كما في مجلس النواب، وعزل رئيس الجمهورية العماد اميل لحود والضغط عليه للاستقالة، الا ان «الثنائي الشيعي» استقال من حكومة فؤاد السنيورة، بعد قرار تشكيل المحكمة الدولية، الى ان اعاد التوازن في العملية الامنية - العسكرية في 7 ايار 2008، بعد ان فشلت اسرائيل في عدوانها صيف 2006 في تدمير سلاحه.

فمنذ عام 2005، وسلاح المقاومة هو المستهدف، والذي جاء في متن القرار 1559 الذي صدر في ايلول 2004، ولما فشلت كل المحاولات، فان نزع الغطاء السياسي عنه، سيكون هذه المرة من خلال تصعيد الضغط في الشارع، باستخدام مطالب المواطنين المحقة، والتي هي نتيجة تراكم عقود من الفساد والمحاصصة وهدر المال العام، واستغلال النفوذ في السلطة، بأدوات عمل طائفية الخ..حتى حصل الانفجار الشعبي، الذي فاجأه فقدان الدولار وتراجع السيولة النقدية مما ادى الى ازمة محروقات ثم خبز وادوية مع ارتفاع باأسعار المواد الغذائية، حيث بات تحريك الشارع تحت هذه العناوين المطلبية المعيشية والخدماتية، لتحقيق مآرب بتشكيل حكومة مستقلين واختصاصيين، يطرحها رئيس حزب «القوات اللبنانية» سمير جعجع، الذي استقال وزراؤه من الحكومة ورئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، وليد جنبلاط الذي بقي في الحكومة، وهو جالس على رأس التلة، والتحق بهما الحريري اللذان كانا يضغطان عليه للاستقالة، والاطاحة بالتسوية الرئاسية، واخراج جبران باسيل من الحكومة، واستعادة التوازن الداخلي، يقول المصدر، الذي يرى ان الازمة باتت اكثر تعقيداً لاطراف السلطة، للاتفاق على شكل الحكومة، بتفاهم داخلي، دون الاستماع الى ما اعلنه وزير الخارجية الاميركي مايك بومبي، الذي ربط بين ازمتي العراق ولبنان المتشابهتين، ودعا الى اخراج النفوذ الايراني منهما، وهو ما يصب في هدف دول خليجية، لها هذا التوجه، وهو ما يؤكد على ان تشكيل الحكومة، لم يعد شأنا لبنانياً داخلياً، بل مطلب اميركي، شرطه حكومة من دون «حزب الله» وتحت عنوان اصحاب اختصاص، التي يستعجلها الاميركيون تحت ضغط الشارع.

فالوضع الداخلي سيذهب الى مزيد من التعقيد السياسي، كما سيتحول من النموذج اليوناني الذي تسببت الديون على اثينا بإفلاس الدولة، الى النموذج الفنزويلي الذي فقد المواطنون السيولة، وتعذر وجود عملة اجنبية للاستيراد، وفقدان المواد الغذائية فحصلت المجاعة بعد الفقر.