نبيه البرجي

«آتوا ببهاء الحريري، لبنان يعود الى التوازن المالي، والى الازدهار الاقتصادي» !

ربما كانت استعادة لسيناريو تشرين الثاني 2017. هذا ما يذهب اليه وزير سابق، كان من أركان بيت الوسط، ليغدو في موقع آخر. في موقع مضاد.

الوزير السابق، بخطوطه المفتوحة على أكثر من جهة خارجية، قال ان دولة عربية كبرى حالت دون دولة عربية أخرى تنفيذ وعدها للرئيس سعد الحريري بايداع وديعة مالية في المصرف المركزي يمكن أن تساعد، ولو في حدود معينة، في التعامل مع الغيوم السوداء التي كانت تلوح في الأفق.

وقال «لو كان الشيخ سعد يملك الحد الأدنى من الحنكة، أو من الرؤية، السياسية لاعتزل السياسة منذ تلك الحادثة، وابتعد عن جاذبية المناصب. ها قد وصل الى تلك النقطة التي غادر فيها السراي من ثقب الباب. اذا حاول، ثانية، تجاهل رأي الدولة اياها، الله أعلم ما يمكن ان يحل به، وكيف سيغادر في ظل تلك الفوضى التي تزلزل كل جدران الهيكل».

من زمان قيل للحريري ان شعار تلك الدولة: دعوه يغرق أكثر فأكثر!

وسط الضبابية التي تحيط بكل شيء، لا بد من التساؤل عن لامبالاة الدول الكبرى (الدول العربية تحصيل حاصل). كما لو أنها أمام كرنفال لا أمام كارثة قد تودي، في أي لحظة، بالدولة اللبنانية.

حتى فرنسا تكتفي بايفاد رئيس دائرة الشرق الأوسط في وزارة الخارجية. الوضع يفترض تدخلاً رفيع المستوى. ايمانويل ماكرون ما زال منشغلاً بالسترات الصفراء. في لبنان... الصدور الصفراء !

الحريري يدرك ما ينتظره، وبأن جهات شقيقة لم تتوقف، يوماً، وبالتنسيق مع الداخل، عن محاولة تعريته سياسياً ومالياً. هذا ما حمله على التبرير، وفي كل مناسبة، بأنه ليس رهين «الكرسي السلطاني». لبنان كان في مرحلة خطيرة، في ظل الفراغ الرئاسي. كان لا بد من التسوية في بلد قام على فلسفة التسويات.

ثمة من يرى أنه ذهب بالتسوية الى أبعد بكثير مما ينبغي «دون أن يتزحزح عن الكرسي». هكذا راحت قاعدته الشعبية تتصدع، وتتبعثر. لا مجال للقول انه الضحية. هو من أصرً، على أن يسقط في الشارع، بعدما سقط عمر كرامي عام 1992 في الشارع، لتأتي المرحلة الانتقالية، وقد توجت بعبور رفيق الحريري (العبور الملكي) الى السراي. أين بهاء الحريري؟

القائلون هذا الكلام لا يستبعدون أن يكون الرجل يناور. يعلم مدى حاجة الرئيس ميشال عون، والرئيس نبيه بري، اليه. اذا ابتعد، لا شخصية سنّية من الوزن الثقيل تحل محله ما يؤدي الى تخلخل دراماتيكي في الترويكا الرئاسية. المتظاهرون السنّة لن يعودوا باكراً الى منازلهم، ولن تهدأ الأحوال (أو لن تنتقل الفوضى الى شكل آخر) قبل مغادرة من تبقى من الترويكا.

لا ندري ما اذا كان رئيس الحكومة المستقيل يلعب بهذه الورقة فعلاً. لو عاد، ماذا يمكن أن يفعل. لبنان داخل الاعصار. كثيرون يتساءلون أين الذهب، وهو خط الدفاع الأخير؟ حتى هذا السؤال (ولو للحد من البلبلة السيكولوجية) لا جواب عليه. الضبابية تطبق علينا.

البعض يحاول (وربما نجح في مكان ما)، أن يجعل من الشارع اللبناني، كما من الشارع العراقي، جزءاً من ديناميات الصراع في المنطقة. ثمة مؤشرات على اطلاق المسارات الديبلوماسية. هذا لا يعني قبول أي طرف بالدخول عارياً الى ردهة المفاوضات. لا بد من أوراق على الطاولة.

الدولار في اقصى حالات الجنون. أركان الدولة في اقصى حالات التيه. على الوكالات الدولية ألا تكتفي بتصنيف لبنان (كدولة). عليها تصنيف لبنان (كشعب). ما تحت، ما تحت، الصفر...