لبنان عالق في «عنق الزجاجة»، وليس من السهولة اخراجه منها، فاذا خلصت النيات، فان نجاح العملية الجراحية المتشعبة والمتعددة لمداوته من الامراض شبه المستعصية التي افضت الى ذلك يحتاج ليس فقط الى مجموعة كبيرة من الاطباء الاختصاصيين في كل الامراض التي تعاني منها البلاد، بل أيضاً وجود تفاعل وتحديد الاولويات التي تمكن لبنان ـ او هذا المريض ـ من استعادته لعافيته تدريجياً، ان من خلال العمليات الجراحية اللازمة ومن ثم اعطاء هذا المريض ماهو بحاجة اليه من علاجات مختلفة للخروج من العناية او من «عنق الزجاجة».

وعلى هذا الاساس يؤكد مصدر سياسي قريب من فريق 8 آذار ويدعم في الوقت ذاته المطالب المحقة للانتفاضة الشعبية ان على جميع الاطراف السياسية التي توالت على السلطة منذ اكثر من 30 سنة حتى اليوم الاقرار ان ما حصل ويحصل اليوم، ليس صدفة، فمئات الاف المواطنين الذين نزلوا الى الشارع وانتفضوا ضد اداء السلطة الفاسد والقائم على المحسوبيات والمحاصصة وقد اجبرهم واقعهم المأساوي على هذه الانتفاضة، ولو ان هذا الواقع المأزوم الذي وصلت اليه البلاد اليوم وقبل انطلاق الانتفاضة، نتج عن «تشلع» السلطة وفسادها من جهة ونتيجة خضوع هذه السلطة او بعضها على الاقل لسياسات واملاءات الغرب وبالتحديد الولايات المتحدة، وبالتالي فهناك حقيقتين اساسيتين منذ بلوغ حال الانهيار:

ـ الحقيقة الاولى، اعتقاد اهل السلطة بكل مكوناتهم، ان اللبنانيين او على الاقل فئة كبيرة منهم، مغلوب على أمرهم وليسوا في وارد الانتفاض على كل هذا الفساد والهدر وتقاسم الحصص(...)، خصوصاً ان القوى المعارضة لاداء اطراف اهل السلطة غير موحدين وتعرضوا لنكسات كبيرة خلال العقود الاخيرة، وكل ذلك ادى الى ايغال السلطة وقواها السياسية برفع شعارات محاربة الفساد والهدر، لكن كل ما قاموا به من اجراءات وخطوات واجراء على كل المستويات مزيد من المحاصصات وتقاسم الحصص «وترك الحبل على غاربه» أمام كل مافيات الهدر والسرقات ونهب المال العام، في مقابل الاصرار على فرض مزيد من الضرائب على الفقراء واصحاب الدخل المحدود، فيما ثروات كل المنتفعين من وجودهم في السلطة ترتفع وتزيد بشكل خيالي، وما حصل مع اقرار موازنة العام 2020 في جلسة مجلس الوزراء قبل الانتفاضة (وضع ضريبة على الواتساب وغير ذلك)، ابرز الوجه القبيح للسلطة السياسية.

ـ الحقيقة الثانية: ان السلطات المتعاقبة في لبنان رهنت منذ 30 عاماً وحتى اليوم لبنان، باقتصاده وماليته العامة الى سياسات المؤسسات المالية الدولية التي تحركها الولايات المتحدة ما ادى الى تحميل لبنان ديون ثقيلة بالتوازي مع تفاقم الهدر والفساد ونهب المال العام، لكن الاخطر ما تعرض اليه لبنان من ادارة الرئىس الاميركي دونالد ترامب مند توليه السلطة في البيت الابيض، من حيث اللجوء الى الحصار الاقتصادي والمالي من خلال اللجوء الى كل الاجراءات والضغوطات غير المشروعة والضغط على خصومه في العالم ومنها لبنان وابتزازه، في مقابل وجود اطراف في الدولة تشجع الاميركي على مزيد من هذه الخطوات فيما اطراف اخرين في الدولة إما خائفون من مواجهة الضغوطات الاميركية، واما يسايرون الاخرين في مواقفهم، وهذه السياسات كان لها تأثير لا يقاس على ما بلغته البلاد من انهيار على كل المستويات، من الوقوف موقف المتفرج على العقوبات الاميركية على الصعد المالية والاقتصادية وكان آخرها القرار القبيح ضد بنك «جمال ترست بنك» كذلك في مسألة عودة النازحين السوريين والتنقيب عن النفط والغاز في مياه لبنان الاقليمية ومحاربة الارهاب وعشرات المسائل الاخرى.

ويلاحظ المصدر في هذا السياق ان كل الحكومات السابقة منذ ما بعد عدوان 2006، تجاهلت كل العروض التي قدمت لها من دول عديدة، حتى بعض الدول الحليفة للولايات المتحدة لمعالجة ملف الكهرباء الى جانب حياتية اخرى، لكن الحكومات المتعاقبة بما في ذلك الحكومة المستقيلة امعنت في الخضوع لما تريده واشنطن، وهو الامر الذي وجدت فيه بعض الاطراف مبرراً لاستمرار الصفقات في الكهرباء وغيره، في وقت تجاهلت حكومتي الرئيس الحريري السابقة والمستقيلة خطر السياسات الجديدة التي اعتمدتها ادارة الرئيس ترامب دون تدخلات عسكرية، تقضي بمحاصرة معارضيها بالعقوبات والابتزاز والضغوط الاقتصادية.

لذلك، فالسؤال المطروح هل تتمكن القوى السياسية بعد الانتفاضة الشعبية، وما نتج عنها من استقالة للحكومة، الخروج عن السياسات التي اعتمدتها في السابق على كل المستويات المالية والاقتصادية والادارية، وبالتالي تشكيل حكومة جديدة قادرة على اطلاق عملية جدية لانقاذ البلاد، ولا تكون مرتهنة للمشيئة الاميركية؟

المصدر السياسي يلاحظ ان الامور ليست بهذه السهولة، بل ان المخاطر باتت تحاصر لبنان واللبنانيين من كل الجهات وعلى كل المستويات، انطلاقاً من كل الواقع المنهار اقتصادياً ومالياً، يضاف اليها عاملين اخرين:

ـ العامل الاول: الخلافات التي تعصف بين كل القوى السياسية الاساسية في البلاد، من حيث التقييم للحراك الشعبي، ومن حيث ما هو مطلوب من خطوات كبيرة للانقاذ بدءا من طبيعة الحكومة الجديدة ودورها، وبالاخص وجود اطراف في السلطة وخارجها ترفع شعارات وحتى اشتراكات هي في مضمونها ليس منفصلة عن التوجهات الاميركية، ولو ان بعضها «كلام حق يراد به باطل»، وهو ما يفترض من هؤلاء العودة الى مصلحة بلدهم قبل اي اجندات اخرى.

ـ العامل الثاني: لا احد ينكر على المواطن اللبناني الذي فجر الانتفاضة الشعبية ان اداء السلطة اضطرهم للخروج الى الشارع لتحقيق مطالبهم المحقة، لكن الحراك الشعبي خلال الاسبوعين الماضيين كشف بوضوح ان هناك فئات من خارج الحراك الشعبي لديها اجندات مشبوهة البعض مرتبط بالخارج والبعض الاخر يحرك شخصيات حاقدة على المقاومة، وثالثة يهمها اجهاض الانتفاضة لابقاء الهدر والفساد، وعلى الاقل للتغطية على ما قاموا به من موبقات، ومن هؤلاء مقربون من شخصيات سياسية تولوا مسؤوليات عالية في الدولة ومتهمون بالفساد وهدر عشرات مليارات الدولارات، ومافيات اخرى حاقدة على المقاومة كانت تدفع لتحريض مجموعات من المحجتين على اطلاق الكلام النابي بحق الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله واخرها بحق احد الشخصيات الحاقدة في طرابلس دفع مجموعة من مناصريه وقيادات حليفة للمقاومة فيما لم يسمع المواطن اي كلمة تحمل الجهات السياسية الاخرى وقياديويها المسؤولية عما وصلت اليه البلاد، وما قاله احد المحتجين في طرابلس الذي كان جرى توقيفه على خلفية كلامه النابي ضد السيد نصرالله وتم اطلاق سراحه بطلب من الامين العام لحزب الله حيث اكد ان هناك جهات من خارج الحراك الشعبي طلبت منه ومن غيره توجيه الكلام النابي ضد السيد نصرالله الى جانب شعارات مشبوهة رفعها محتجون ينتمون الى كل من القوات اللبنانية وحزب الكتائب تطالب بنزع سلاح المقاومة وبالتالي كان واضحا ان بعض الاجندات المشبوهة كانت تدفع لوصول البلاد الى الفوضى والفتنة دون ان يكون للحراك الشعبي ومعظم الذين يحرصون على استمراره حراكا سلميا وديموقراطيا حيث ان الهدف الفعلي لاصحاب هذه الاجندات ليس فقط محاولة دفع الانتفاضة الى ما يناقض مطالبها وهموم المواطن بل الذهاب نحو افتعال اشكالات امنية واعادة التصويب المشبوه على بعض المناطق حتى تصل الامور لوضع يصعب السيطرة عليه رغم ان الحراك الشعبي تمكن في الايام الماضية من سحب هذا الفتيل ولو موقتا بانتظار ما ستؤول اليه الاتصالات حول تشكيل الحكومة.

وكل هذا الواقع المأزوم في الاسبوعين الماضيين لا يعفي في الوقت نفسه الجهات السياسية في الدولة التي تقاعست وانتظرت وصول الترياق من العراق لاخراج البلاد من ازماتها بينما كان المطلوب وضع كل هذه الاطراف حساباتها الحزبية والفئوية جانبا وتعمل ليل نهار من خلال اجتماعات متتالية لمجلس الوزراء لاتخاذ جملة واسعة من الاجراءات والخطوات لاقناع المواطن والمحتجين بوجود جدية في معالجة ازمات اللبنانيين ومنها على سبيل المثال لا الحصر قرارات توقف كل الصفقات المشبوهة وتضع خارطة طريق لاستعادة الدولة لاموال وحقوقها المنهوبة وبدءا من الاملاك البحرية والنهرية والبرية الى الاقرار بضرورة التواصل مع سوريا لاعادة النازحين السوريين مقرونة بوضع اللبنانيين بالتكاليف الضخمة التي يتحملها لبنان في مقابل استمرار اكاذيب الغرب الرامية لابقاء النازحين في لبنان بهدف الاستغلال السياسي حتى دون ان يساعد لبنان بمبالغ تمكنه من تخفيف انفاقه على النازحين الى قيام الحكومة المنتجة شركتي الخليوي الى مرفأ بيروت وغيرهما.

لذلك يوضح المصدر ان دعوات البعض في السلطة لتشكيل حكومة تكنوقراط في هذا التوقيت وتوازنا مع ما يواجهه لبنان من تحديات داخلية وضغوط وعقوبات واجندات خارجية هي اشبه بدس السم في العسل لان حكومة التكنوقراط حتى ولو تمكنت من تجاوز حسابات القوى السياسية في الداخل فهي لن يكون في مقدورها مواجهة كل التحديات التي يواجهها لبنان بل ان بعض هذه الدعوات من جانب جهات سياسية معروفة تستهدف دفع الحكومة الجديدة للاستظلال بالعباءة الاميركية تحت مبررات الخروج من الازمة لكن الهدف الخفي هو غايات مشبوهة اخرى.

وعلى هذا الاساس يؤكد المصدر ان لا امكانية لتشكيل حكومة جديدة ولا امكانية لنجاحها اذا لم تكن على الاقل حكومة تكنو سياسية بحيث تأخذ بالاعتبار كل الواقع الداخلي وموجبات التحديات الخارجية عبر العناوين الاتية:

1- ان يكون هناك تمثيل سياسي للقوى الاساسية على الاقل وقد يكون التمثيل من داخل هذه القوى او من اشخاص موثقين منهم ومن اصحاب الكفاءة ونظافة الكف خاصة في الوزارات المسمات سيادية.

2- تمثيل الحراك الشعبي باسماء بنفس المواصفات حتى يتمكن ليس فقط الدفع لتحقيق المطالب المحقة للانتفاضة الشعبية بل منع اي عودة للمحاصصة والزبائنية.

3- اسناد وزارات الخدمات والتي فاحت منها في المراحل السابقة روائح الفساد والصفقات الى اشخاص لا يتحركون وفق اجواء ومصالح سياسية، ووالىكل جانب عدم ابقاء هذه الحقائب لنفس الجهات السياسية التي احتكرتها منذ سنوات طويلة.

واما في حال الاخلال بأي من هذه العناوين او المواصفات فحتى لو امكن تشكيل الحكومة في فترة معقولة بعد اعادة تكليف الرئيس سعد الحريري فالازمة ستعود للانفجار مجددا رغم ان المصدر يميل كثيرا نحو التشاؤم في المرحلة القريبة وبالتالي عودة الانتفاضة لزخمها الشعبي على خلفية عجز اهل السلطة بالاتفاق على ما هو مطلوب من خطوات للمرحلة المقبلة وبداء من موضوع التشكيلة الحكومية ودورها.