التقّديرات الأولية للناتج المحلّي الإجمالي تُظهر انكماشًا في الاقتصاد اللبناني في العام 2019 بنسبة 0.5%! هذا الواقع له أسباب عديدة، لم تستطع الحكومة استدراكها وبالتالي وقع لبنان في انكماش اقتصادي لأوّل مرّة منذ العام 1999 حين سجّل الاقتصاد آنذاك تراجعًا بنسبة 0.45%.

أسباب الانكماش الاقتصادي عديدة وعلى رأسها التخبّط السياسي الذي عطّل عمل الحكومة على مدار السنة. ففي شهر كانون الثاني كانت الحكومة لا تزال حكومة تصريف أعمال وبالتالي لم تستطع ممارسة دورها بالكامل حتى بداية شهر شباط. عمل الحكومة في الأشهر الأولى من عمرها شهد خلافات سياسية كبيرة على مشروع الموازنة وملف التعيينات وغيرها. واستغرق بحث مشروع الموازنة وإقراره أكثر من أربعة أشهر إنتهت في شهر حزيران من العام 2019، لتبدأ معها أحداث قبرشمون التي شلّت العمل الحكومي مدّة 40 يومًا وانتهت بتخفيض تصنيف لبنان الائتماني ووضع ورقة بعبدا المالية الإقتصادية.

لم يكن بحث مشروع موازنة العام 2020 أسهل للحكومة التي تناست ورقة بعبدا المالية الإقتصادية وأخذت البحث في ضرائب مثل ضريبة الواتساب التي أشعلت الإحتجاجات الشعبية في 17 تشرين الماضي وانتهت بإستقالة الحكومة الأربعاء الماضي. والأصعب في الأمر أن مُجريات الأمور حاليًا لا تُبّشر بالخير وبالتالي من المتوقّع أن يأخذ مسار تشكيل الحكومة وقتًا طويلاً مع ما يحمله هذا الأمر من مخاطر على الصعيد الأمني والإجتماعي.

من الأسباب الأخرى التي دفعت باتجاه الإنكماش الإقتصادي، الوضع المالي للدوّلة

والتقشّف الذي فرضته حالة المالية العامّة حيث إمتنعت الدولة عن دفع الأموال للمورّدين مما أدّى إلى خفض الإستهلاك وتراجع بالتالي النموّ الإقتصادي. أيضًا لم تُساعد مُشكلة الإسكان في تردّي الوضع القائم، حيث إنخفض حجم المبيعات في القطاع العقاري إلى أكثر من النصف بين الأول من هذا العام ومنتصفه. وتوقّف معها عمل العديد من القطاعات الداعمة للقطاع العقاري.

ومنع تراجع تصنيف لبنان الإئتماني الحكومة من القيام بأي إستثمارت نظرًا إلى العجز الذي تُسجّله الخزينة العامّة، حتى أن الحكومة لم تستطع إستخدام الأداة الضريبية لتحفيز الإستثمارات مما يعني أنها لم تقم هي بإستثمارات ولم تُشجّع القطاع الخاص على الإستثمار.

عدم إلتزام الحكومة بإصلاحات مؤتمر سيدر، منع تحرير أموال مشاريع سيدر التي بقيت رهنية خطّة الكهرباء، عجز الموازنة والإصلاحات المالية في الموازنة. كما فشلت الحكومة في إرسال رسائل إيجابية إلى الأسواق المالية وإلى المُجتمع الدولي مما أبقاها تحت رحمة وكالات التصنيف الإئتماني التي تنتظر الدولة اللبنانية في نهاية هذا العام لإعادة تقييم جديدة سيكون نتاجها خفض تصنيف لبنان على أرجح الإحتمالات! هذا الواقع الحزين، يؤثّر حكمًا في إصدار سندات الخزينة الذي كان متوقّعًا الأسبوع المنصرم وتمّ تأجيله بسبب الإحتجاجات الشعبية.

تراجع الوضع المالي وخفض التصنيف، رفع من أسعار الفائدة على سندات الخزينة في الأسواق. هذه الفائدة أثّرت في فوائد الودائع المصرفية التي ارتفعت نتيجة الطلب الحكومي على المال مما أدّى إلى رفع الفوائد المصرفية لجذب الأموال. وبالتالي، أصبحت إستثمارات القطاع الخاص شبه مُستحيلة مع هذا المستوى من الفوائد مما يعني تراجع النموّ الإقتصادي.

أيضًا كان للإحتجاجات الشعبية التي شلّت الحركة الإقتصادية على مدى أسبوعين دور في تراجع الإقتصاد حيت تُشير التقدّيرات إلى أن حجم الخسائر على الإقتصاد قارب الـ 1.5 مليار دولار أميركي.

إنكماش الإقتصاد في العام 2019 ستكون له أيضا تداعيات سلبية على المالية العامة التي ستُسجّل حكمًا عجزًا بنسبة أكبر من النسبة المتوقّعة في موازنة العام 2019 والبالغة 7.59%! الجدير ذكره أن صندوق النقد الدولي كان توقّع عجزًا بقيمة 9.5% وهي نسبة غير كافية لتدارك التردّي المالي الكبير في المالية العامّة.

عمليًا، تأخير تشكيل الحكومة سيكون كارثياً وذلك إبتداءً من الآن وصاعدًا حيث ستشهد الأسواق ضغطًا كبيرًا على سندات الخزينة اللبنانية وستبدأ مشاكل المالية العامّة فعليًا إبتداءً من الأسابيع المُقبلة. لذا من الضروري الإسراع في تشكيل الحكومة نظرًا إلى أن أخذ إجراءات مُعيّنة لتدارك التدهور المالي هو أمر أكثر من حيوي! ولن يُسامح التاريخ القوى السياسية على (إحتمال) تعطيلها تشكيل الحكومة في أسرع وقت مُمكن.

الإجراءات الأساسية التي يتوجّب على الحكومة الجديدة (إذا ما شُكّلت) أو على حكومة تصريف الأعمال الحالية، هي إجراءات لمنع تردّي الوضع أكثر. ومن هذه الإجراءات نذكر مراقبة الجمارك للتأكّد من أن الإجراءات التي تمّ إتخاذها (رسم الـ 3%، والرسم النوعي) تُطبّق بحزم ومن دون تهريب؛ أيضًا يتوجّب تشديد الرقابة على الأسعار في السوق للتأكّد من عدم رفع الأسعار بشكل غير مشروع لما في ذلك من تقليص للقدرة الشرائية وبالتالي الإستهلاك أي النمو الإقتصادي ومعه مداخيل الخزينة العامّة.

عمليًا لبنان يمرّ في أسوأ أزّمة مالية - إقتصادية - سياسية، لن يخرج منها من دون تداعيات سلبية كبيرة. وإذا كان الشعب قدّ انتفض رفضًا للضرائب والفساد ومطالبًا باستعادة الأموال المنهوبة، إلا أن الواقع الآليم الذي لن يهرب منه هو أن الضرائب آتية لا محالة نظرًا إلى حجم الخسائر اليومية الناتجة من غياب سلطة قرار قادرة على أخذ الإجراءات اللازمة وعن الإحتجاجات التي أصبحت من دون أدنى شك عاملاً سلبياً للإقتصاد.

لم يعد بجديد القوّل ان الفساد هو أساس علّة لبنان، إلا أن الجديد الذي يجب معرفته هو ان استعادة الأموال المنهوبة يأخذ وقتًا قبل تحقيقه، لكن التهريب على المرافئ البحرية، الجوّية والبريّة والتهرّب الضريبي والتخمين العقاري والهدر في الإدارة العامّة... يُمكن وقف الفساد فيها بسرعة بسلّة من الإجراءات التي تُعطي مفعولاً شبه فوري. من هذا المُنطلق، حبّذا لو تعمد حكومة تصريف الأعمال أو الحكومة الجديدة إلى أخذ هذه الإجراءات رأفة بالبلاد والعباد.