قبل أيام قليلة على موعد الاستشارات النيابية الملزمة التي يجريها الرئيس ميشال عون في بعبدا، لا تزال المواقف السياسية بالنسبة للمرحلة المقبلة غير واضحة المعالم، فلا يزال البعض وخصوصا من هم في الشارع ينادون بحكومة تكنوقراط، ويتحدث آخرون عن حكومة وحدة وطنية كون مسؤولية الإنقاذ يجب أن يتحملها الجميع، فما هي حظوظ حكومة التكنوقراط في لبنان؟

بداية تشير مصادر قيادية في فريق 8 آذار الى أن صفة «التكنوقراط»، تعني أصحاب اختصاص، وبالتالي عند الحديث عن حكومة تكنوقراط فهذا تعني حكومة اختصاصيين، بغض النظر عن هوياتهم الدينية والسياسية، لافتة النظر الى أن المطالبين بحكومة تكنوقراط بعيدة عن الانتماء الحزبي يعلمون بأن أحدا في لبنان يمكن اعتباره بعيدا عن التسييس بالكامل، مشيرة على سبيل المثال الى أن وزير الصحة الحالي الدكتور جميل جبق هو أفضل مثال عن وزير بحكومة اختصاصيين.

إنطلاقا من هذا التعريف لحكومة التكنوقراط، ترى المصادر أن ما يطالب به الحراك قد لا يكون ممكنا لأسباب عديدة أبرزها ثلاثة هي: أولا، وكما قلنا سابقا عدم وجود شخصيات مستقلة بشكل كامل، اذ أن لكل شخصية في لبنان رأيها، وهذا الرأي يتوافق مع توجه احد الأحزاب، دون أن يعني ذلك أن تحمل هذه الشخصية البطاقة الحزبية، وهذا ما يجعل عملية اختيار الأسماء صعبة للغاية.

السبب الثاني بحسب المصادر هو عدم قدرة الحكومة التي لا تضم حزبيين على الحكم. وتشرح: «في لبنان نظام قائم على الطائفية، وطالما ان هذا النظام لم يتغير فلا يمكن القول للطوائف والكتل النيابية اجلسوا جانبا فلن تتمثلوا بالحكومة ومن يمثل الطائفة من الوزراء لا يمثل الطائفة من الشعب، كذلك فمن المتعارف عليه بالنظم البرلمانية هو أن الحكومة تمثل الأغلبية بالبرلمان، والأقلية تعارض، فكيف يمكن القبول بحكومة لا تمثل لا الأكثرية النيابية ولا الأقلية، وعليه فإن هذا الخيار يكون صعبا للغاية ما لم تُلغ الطائفية السياسية، اولا ومن ثم إنتاج مجلس نيابي جديدة على اساس لبنان دائرة واحدة، يكون فيه فريق حاكم وفريق معارض ثانيا.

السبب الثالث، هو السبب الأهم في رؤية فريق 8 آذار، اذ لا شكّ بالنسبة لهذا الفريق أن ما كان يطالب به رئيس القوات اللبنانية سمير جعجع، منذ أشهر، وما بات مطروحا اليوم من حكومة تكنوقراط بلا حزبيين، هو مطلب اميركي بالدرجة الأولى، اذ إن الإستقالة كشفت مخطط إزاحة «المقاومة» من الحكم، تحت عنوان حكومة تمثل الحراك الشعبي، وتنفذ إجراءات اقتصادية سريعة. وفي هذا السياق تؤكد المصادر أن هدف الحكومة المزعومة لن يكون الإنقاذ فقط، بل أكثر من ذلك ستسعى لتنفيذ ما لا يمكن لحكومة تتواجد فيها المقاومة تنفيذه، متساءلة عن موقف حكومة كهذه من ملف ترسيم الحدود البرية والبحرية مع العدو الاسرائيلي، والذي وصل مؤخرا لحائط مسدود بعد رفض التنازل اللبناني، وماذا عن موقف هذه الحكومة من ملف النازحين السوريين والعلاقات مع سوريا، وما عن موقفها من مخططات بيع القطاع العام وخصخصته، والاهم الأهم ما هو موقفها من العقوبات الاميركية على حزب الله، وما يُحكى عن عقوبات إضافية قريبة على حلفاء الحزب؟

وتكشف المصادر عن رسائل اميركية وصلت مؤخرا الى لبنان، تدعو للقبول بحكومة تكنوقراط بعيدة عن الاحزاب اللبنانية، مقابل انتهاء الفوضى، مشيرة الى أن هذه الرسائل تؤكد أن ما يُراد من هكذا حكومة ليس بريئا، وإخراج المقاومة من الحكم في لبنان بعد نجاحها في الانتخابات النيابية ووصول مرشحها الى رئاسة الجمهورية لن يمر بسهولة.

بعد هذه الاسباب الثلاثة تشدد المصادر على أن فريق 8 آذار لا يمانع البحث في حكومة اختصاصيين سياسية، قد يكون سعد الحريري رئيسا لها، وهكذا يكون قد أوجد الحل الوسط بين الحكومة السياسية وحكومة التكنوقراط غير السياسية.