دخل لبنان في مرحلة خطيرة مع استقالة رئيس الحكومة سعد الحريري وتريّث رئيس الجمهورية لإعلان موقفه من قرار الإستقالة المفاجىء له، ومن ثمّ الدعوة لاستشارات نيابية ملزمة لتسمية رئيس الحكومة الجديد، وسط اتخاذ قيادة الجيش قرار فتح جميع الطرقات وتطبيق هذا القرار في ظلّ تهديد المتظاهرين بالعودة الى الشارع في حال لم تتشكّل حكومة تكنوقراط في غضون 48 ساعة. فصحيح بأنّ البلاد استعادت حياتها الطبيعية شكلياً، غير أنّ ذلك يبدو مؤقّتاً مع إصرار مجموعات الحراك المدني لثورة «لبنان ينتفض» على سلسلة إجراءات أخرى منها استقالة مجلس النوّاب وإجراء إنتخابات نيابية مبكرة وانتخاب رئيس جديد للجمهورية.

فالمتظاهرون لم يقتنعوا بأنّ استقالة الحكومة ستلبّي مطالبهم، أو أنّها الحلّ الذي يُنشدون، بل يجدون فيها بداية حلّ أو خطوة أولى يجب أن تليها خطوات أخرى وفي أسرع وقت ممكن سيما وأنّ الأمور لم تعد تتحمّل المماطلة، على ما يقولون. غير أنّ مواقف هؤلاء المتظاهرين غير متوافقة مع بعضها البعض بدرجة كبيرة، ولهذا فإنّ بعضهم يرى أنّ بقاء الرئيس الحريري على رأس الحكومة الجديدة هو أمر مقبول لا بل مطلوب شرط أن تضمّ وجوهاً جديدة من الإختصاصيين تلبّي طموحات وتطلّعات الشعب اللبناني، في حين يُصرّ البعض الآخر على استبدال الحريري برئيس حكومة تكنوقراط أيضاً.

ووسط الوقت المتقطّع بين استقالة حكومة «الى العمل» في منتصف عهد الرئيس عون، وتشكيل حكومة جديدة، أكّدت مصادر سياسية مقرّبة من العهد بأنّ رئيس الجمهورية لم يكن على اطلاع بخطوة الرئيس الحريري بالاستقالة، ولعلّ هذا ما جعله يُفاجأ وينزعج منها، وإن بدا أنّ استقالة الحكومة كانت واردة في ذهنه منذ بدء الإحتجاجات الشعبية ونزول المتظاهرين الى الشارع بهدف إسقاط الحكومة والنظام. غير أنّ الرئيس عون كان يُفضّل أن تحصل الإستقالة بالتشاور والتنسيق معه قبل تقديمها. ولكن بطبيعة الحال، فمع استقالة الرئيس الحريري اعتبر قصر بعبدا في بيان له أنّ الحكومة الحالية مستقيلة وطلب منها الإستمرار في تصريف الأعمال. ويُنتظر الآن صدور بيان آخر عنه يُحدّد فيه موعد الإستشارات النيابية الملزمة والتي قد تُرجأ، على الأرجح الى بداية الأسبوع المقبل كونها تتطلّب التشاور بين الرئيس عون ورئيس مجلس النوّاب نبيه برّي وسواه من الأفرقاء السياسيين.

وأوضحت المصادر نفسها بأنّ المشاورات تجري حالياً من قبل الرئىس عون على مختلف المستويات، وهي تسبق الإستشارات النيابية المُلزمة التي ستسير وفق المسار الدستوري لتكليف رئيس جديد للحكومة. أمّا مسألة أن يعود الرئيس الحريري كمرشّح أساسي أو لا يعود أو هل لديه النيّة بالعودة أساساً أم لا الى رئاسة الحكومة، وما هي مواصفات الرئيس الجديد للحكومة الذي يريده الشعب وشكل حكومته التي لا يجب أن تكون «حكومة مواجهة» بل قادرة على إنقاذ لبنان من الوضع الإقتصادي والمالي المتردّي.. فهي كلّها أمور تتمّ دراستها حالياً، لكي لا يحصل أي فراغ سياسي في البلاد.

وشدّدت المصادر على أنّ الرئيس عون قد طرح في كلمته التلفزيونية الأخيرة على المتظاهرين أن يتحاوروا معه من خلال ممثلين عنهم تجنّباً لعدم وصول البلد الى ما وصل اليه اليوم، وقد رحّب الرئيس الحريري يومذاك بهذه المبادرة من دون حصول أي متابعة لهذا الأمر بين الرئاستين الأولى والثالثة. في الوقت نفسه، لم يتفق المتظاهرون فيما بينهم على موقف واحد، كما رفضوا المناقشة والحوار مع الرئيس عون ومع الطاقم السياسي ككلّ. ولهذا، فإنّ الرئيس عون يتريّث حالياً ليكون أكثر دقّة في كلّ القرارات التي سيتخذها لاحقاً، آخذاً بالإعتبار الأزمة المالية الإقتصادية التي فجّرت نقمة الشعب في الشارع من جهة، فضلاً عن موقف المتظاهرين المتعلّق بحكومة حيادية أو حكومة تكنوقراط من جهة ثانية. وهذان الأمران يحتاجان الى المزيد من المشاورات بين الكتل النيابية الحالية للوصول الى الحدّ الأدنى من التفاهم فيما بينها، سيما وأنّ أي نقاش جدّي وفعلي لمشروع بديل عن الحكومة الحالية لم يحصل بين عون والحريري قبل استقالة الحكومة، علماً أنّه كان يجب أن يحصل قبل الوصول الى خطوة الإستقالة من قبل الرئيس الحريري، لوضع مسار واضح للمرحلة المقبلة. ولعلّ هذا الأمر يطرح تساؤلات عدّة حول مصير التسوية السياسية بين عون والحريري، على ما يقول المراقبون، والتي يبدو أنّها لم تتزعزع فقط هذه المرّة، إنّما كُسرت حتى إشعار آخر.

وعمّا إذا ما كانت الكتل النيابية ستُعيد تسمية الرئيس الحريري لتشكيل الحكومة الجديدة، أوضحت المصادر نفسها أنّ هذا الأمر يعود للكتل نفسها الممثلة للشعب، وعلينا انتظار مواقفها خلال الإستشارات النيابية المنتظرة بعد أيّام. وأشارت الى أنّه ليس من أي خيار مستبعد في هذا الإطار، فإذا كانت استقالة الحريري قد فعلت «صدمة إيجابية» في نفوس المتظاهرين، على ما أراد، خصوصاً وأنّ نبض الشارع قد دفعه الى تقديمها، فإنّ بعض المتظاهرين قد تجاوب مع هذه الصدمة من خلال المطالبة بعودته الى رئاسة الحكومة. وهذا الأمر ستتمّ دراسته بطبيعة الحال، من قبل كلّ كتلة نيابية على حدة قبل تسمية رئيس الحكومة الجديد.

وأكّدت المصادر بأنّه المطلوب اليوم أن تأتي تسمية رئيس الحكومة الجديد وتكليفه بتشكيل الحكومة، فضلاً عن شكل الحكومة الجديدة وطبيعتها وآلية عملها في المرحلة المقبلة، على قدر توقّعات الشارع منها، وأن تكون قادرة بالتالي على إنقاذ الوضع المالي والإقتصادي المتردّي في البلاد في أسرع وقت ممكن، ومكافحة الفساد والقيام بالإصلاحات المطلوبة، ما من شأنه أن يُمثّل مدخلاً أساسياً لإعادة بناء الثقة المفقودة من قبل الشعب بالسلطة السياسية والتي عبّر عنها على مدار الأيام الماضية.