تتغير الحكومات في لبنان، ويتبدّل الرؤساء، لكن سياسة تضييع الفرص واهمال الوقت، لا تتغيّر ولا تتبدّل، وما يحصل في لبنان منذ تشكيل هذه الحكومة الكارثة، هو تجسيد لهذه السياسة المميتة التي تجلّت بأنحس صورها منذ بدء هذه الازمة الوجودية التي يتوقف عليها مستقبل لبنان كدولة وكيان.

أمضى سعد الحريري 13 يوماً تظاهرات واضرابات واعتصامات، امتدت على مساحة الوطن كلّه، قبل ان يستقيل، وخيراً فعل انه استقال في نهاية الأمر، ولكن منذ وعيي على الحياة السياسية، لا أعرف ان هناك مهلة ما لاجراء اتصالات بين الكتل قبل تحديد موعد لاستشارات الزامية يختار بموجبها النواب رئيس الحكومة الذي يرونه مناسباً، فكيف اذا كان يمرّ لبنان لأول مرة في تاريخه بتظاهرات واعتصامات حوّلت الساحات والشوارع في كل لبنان تقريباً الى مراجل تغلي غضباً ضد الحكومة والسلطات الحاكمة، هل من الحكمة ان نتجاهل غليان الشارع ونترك الأمور عرضة للتفلّت لولا سهر الجيش وحكمة قائده.

أكثر دولتين معنيتين بوضع لبنان، الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا، تحرصان على تشجيع السلطة اللبنانية على الاسراع في تشكيل الحكومة التي تحظى بثقة الشعب، لتستحق منهما الدعم والمساعدة، فهل يجوز تجاهل هذه النصيحة التي لا تصبّ الاّ في مصلحة لبنان الاقتصادية والمالية والأمنية، خصوصاً ان الاجتماع المقرر للدول المعنية بمؤتمر «سيدر» مهدد بالالغاء اذا لم يكن هناك حكومة قادرة على التعامل مع نتائج هذا المؤتمر.

* * * * *

كتابة مقالي هذا تأتي قبل كلمة الرئيس العماد ميشال عون لمناسبة مرور ثلاث سنوات على انتخابه رئيساً للجمهورية، ومن المؤكد ان يتطرق الى الوضع القائم بعد استقالة رئيس الحكومة، والاف اللبنانيين الذين هم في الشوارع والساحات، وفي بيوتهم يأملون بأن يحدد هذا الاسبوع موعد الاستشارات النيابية الملزمة، تخفيفاً للتوتر من جهة، واعطاء جرعة امل للشعب اللبناني بان رسالته وصلت، وان مصلحة الوطن فوق كل مصلحة، خصوصاً ان التظاهر الاخطر، هو التظاهر غير المفهوم الذي يتم امام مصرف لبنان في عز الازمة المالية التي يحاول الحاكم رياض سلامة معالجتها، بما يملك من خبرة ووطنية.

في الختام لا بد من توجيه مشاعر الحب والاحترام والتقدير للمتظاهرين المعتصمين على اوتوستراد «الرينغ» الذي يربط الاشرفية ببيروت الغربية، لشجاعتهم ووطنيتهم، وردهم على اتهامهم بانهم عملاء لاسرائيل، حين احرقوا العلم الاسرائيلي، وداسوه بارجلهم امام مئات العدسات المحلية والاجنبية.

انكم بثورتكم المباركة فتحتم الطريق الى لبنان آخر مختلف.