من المعروف أن الفارق الأساسي بين مُستثّمر ومودع ينحصر بنقطتين أساسيتين: الأولى الأفق الزمني، والثانية نسبة المخاطر. فالمُستثّمر له قدّرة أوسع على تعديل أفق إستثماراته بحسب الفرصة أو الفرص المُتاحة أمامه أخذًا بعين الإعتبار تعظيم الأرباح بحسب نسب المخاطر. هذا الأمر لا ينطبق على المودع خصوصًا إذا ما كان مدّخوله محدودًا. من هذا المُنطلق، نرى البعض يستغرب كيف أن ثلاثة مُستثمرين أجانب قاموا بوضع وديعة في المصارف اللبنانية بقيمة 1.4 مليار دولار أميركي خلال شهر آب المُنصرم وفي عزّ الخضّة التي عاشها لبنان ماليًا نتيجة تقارير وكالات التصنيف الإئتماني.

المُستثمرون الثلاثة، قاموا بدراسة دقيقة عن وضع المالية العامّة ووضع القطاع المصرفي اللبناني ووضع مصرف لبنان وإحتياطاته. ولو وجدوا أن هناك مخاطر تحوم حول وديعة الـ 1.4 مليار دولار أميركي، لما قاموا بإيداعها في المصارف اللبنانية. هذا الواقع يؤكّد صلابة وملاءة القطاع المصرفي اللبناني خصوصًا أنه يلتزم بمعايير بازل 3 وبالتحديد «نسبة كفاءة رأسمال المصرف»، التي تُحدّد حجم رأسمال المصرف الذي يتوجّب الحفاظ عليه وتجميده لمواجهة أي طارئ قد يحصل ويطال الودائع. نسبة كفاءة رأسمال المصارف اللبنانية تُناهز الـ 13% في حين أن المطلوب بعد تخفيض تصنيف لبنان الإئتماني هو 12%! وهنا يجدر الذكر أن المطلوب كان 8% قبل تخفيض تصنيف لبنان، لكن بعد خفض التصنيف أصبح المطلوب 150% من أصل 8% أي ما يُساوي 12% (هنا يظهر تأثير المالية العامّة ومطلب مصرف لبنان الذي يدّعو الحكومة إلى إجراء إصلاحات).

اليوم تفتح المصارف أبوابها أمام الزبائن الذي يحملون معهم الشائعات التي وصلت إلى هواتفهم عبر الواتساب أو عبر وسائل الإعلام والتي تنصّ على أن هناك هجمة ستحصل على المصارف لسحب الودائع وأن الطلب على الدولار سيكون كبيرًا. هذه الشائعات لا تعكس الواقع نظرًا إلى أن الثقة بالقطاع المصرفي ما زالت مُرتفعة من قبل الأسواق كما تُثبته الوديعة من قبل ثلاثة مُستثمرين أجانب بقيمة 1.4 مليار دولار أميركي. هل من المنطقي القول أن اللبناني (خبير إقتصادي أو سياسي) أصبح أكثر إلمامًا من غلودمان ساكس التي نصحت هؤلاء المُستثمرين بإيداع أموالهم في المصارف اللبنانية؟ في الواقع هذه السؤال يطرح علامات إستفهام حول خلفيات هذه الشائعات ومدى مصداقيتها!

الإحتياط الإلزامي للمصارف يُشكّل ضمانة للودائع في المصارف نظرًا إلى حجم هذا الإحتياط ولكن أيضًا نظرًا إلى الوضع المصرفي لم يتغيّر خلال الأربعة عشر يومًا من الإقفال التي شهدتها المصارف اللبنانية. أيضًا لا ننسى عشرات التعاميم الصادرة عن مصرف لبنان ولجنة الرقابة على المصارف والتي تُعّنى بسلامة الودائع. هذه التعاميم تُعتبر ضمانة إضافية ويُمكن التأكيد أن المُستثّمرين الثلاثة الأجانب قاموا بدراستها قبل تحويل 1.4 مليار دولار أميركي إلى لبنان.

من هذا المُنطلق، نرى أن خلفيات هذه الشائعات هي أكثر سياسية منها خلفيات مصرفية ونقدية، خصوصًا أن المصارف تفتح أبوابها اليوم وبالتالي فهي تدحض هذه الشائعات بمجرّد فتح أبوابها. ولا يمكن نسيان الإرتفاع الذي حقّقته أسعار سندات الخزينة البارحة نيجة إعادة فتح الطرقات نهار الأربعاء وإعلان المصارف إعادة فتح أبوابها (مصدر وكالة رويترز).

الرهان على تراجع سعر صرف الليرة مقابل الدولار الأميركي لن يتحقّق أيضًا، نظرًا إلى أن هناك رغبة قويّة لدى مصرف لبنان بالمحافظة على ربط سعر صرف الليرة بالدولار على السعر الرسمي. وقد قال حاكم مصرف لبنان رياض سلامة أن مصرف لبنان يمتلك الوسائل للقيام بذلك.

عمليًا مصرف لبنان يمتلك إحتياط من العملات الأجنبية بقيمة 38.2 مليار دولار أميركي منها 33 مليار دولار إحتياط قابل للإستخدام. هذا الكمّ الهائل للإحتياط قادر على صدّ أي مضاربة على الليرة اللبنانية من أي جهة أتت، وهو أصلاً مُصمّم لهذه المُهمّة لذا لن يتوارى المصرف المركزي في الدفاع عن الليرة عند المضاربة عليها. أيضًا وعلى صعيد أخر، المُستثّمرون يعرفون جيدًا أن هناك أموالاً تنتظر تحريرها للدخول إلى وكلّها بالعمّلة الصعبة مما يُعزّز وضع الليرة اللبنانية تجاه الدوّلار الأميركي ويزيد من متانتها.

تثبيت سعر صرف الليرة داخل هامش رسمي (1501-1515) كان وسيظل الخيار الأمثل للبنان بحكم أن ثبات سعر الصرف في بلد لا ثبات سياسياً ولا ثبات أمنياً فيه، مع إقتصاد ضعيف ومالية عامّة في حالة مُزّرية هو الخيار الذي يحفظ كرامة المواطن وأمّنه الإجتماعي (أكثر من 750 ألف موظّف يقبضون رواتبهم بالليرة اللبنانية). وقد أثبتت الدراسات العلمية أن تثبيت سعر صرف العمّلة في البلد الذي لا يتمتّع بثبات سياسي وأمني وإقتصادي، يبقى أقلّ كلفة من عدم تثبيته!

شظايا الخلافات السياسية طالت الليرة اللبنانية وحتى أن البعض إختار الليرة كجبهة لتحقيق أهداف سياسية ضاربًا (أي هذا البعض) بعرض الحائط كل أخذ بعين الإعتبار للأمن الإجتماعي للمواطن اللبناني. وللأسف وحتى الساعة ما زالت الليرة تتعرّض لوابل من الضغوطات الناتجة عن عدم الثبات السياسي والأمني كما والوضع الإقتصادي والمالي العام، لكن لم يتمكّن منها أحد!

اليوم نقول للمواطن اللبناني أنه هو الوحيد القادر على كسر الليرة وذلك من خلال تحويل كل أمواله إلى عمّلة أجنبية وبالتحديد دولار أميركي. نعم هو الوحيد القادر على ذلك! لذا ومن هذا المُنّطلق، ندعو المواطن اللبناني إلى الحفاظ على عمّلته لأن التداعيات الإجتماعية عليه ستكون كارثية حتى ولو إمتلك دولارات.

في الختام لا يسعنا القول إلا أن كلّ نقد أو معارضة للسياسة النقدية غير مبني على منطق علمي يستند إلى الأرقام هو نقدّ هدّام وغير بنّاء ويهدف إلى ضرب الليرة اللبنانية ومن خلفها المواطن اللبناني.