لا يزال المشهد السياسي «ضبابيا» في البلاد، وبعيدا عن المطالب المحقة التي حركت الشارع اللبناني، فان النتائج الاولية تشير الى «الانقلاب» الاميركي على نتائج الانتخابات النيابية الاخيرة اكتملت فصولها باستقالة رئيس الحكومة سعد الحريري بعدما تبين انه كان «جزءا» من «لعبة» «اكبر» بدأت مع الضغوط في «الاسواق» المالية... وصولا الى «الانفجار» في الشارع الذي هدف على نحو واضح الى اعادة خلق توازنات جديدة في البلاد... هذه الخلاصة لمصادر سياسية بارزة مقربة من حزب الله، اشارت الى النتائج الواضحة حتى الان تشير الى ان ما كان يريده الاميركيون وبعض دول الخليج تحقق من خلال الحريري، «طارت» الحكومة، وهذا ما كانوا يريدونه، ولا شيء آخر يرتبط بالاصلاح او محاربة الفساد، والدليل على ذلك ما حصل من «انفراج» مثير «للريبة» في طول البلاد وعرضها من فتح للطرقات وعودة «الحياة» الى طبيعتها بعد ساعات قليلة على اعلان الاستقالة، والسؤال اي شعار «كلن يعني كلن»...؟ وتلفت تلك الاوساط، الى ان الاهداف السياسية لبعض من تلطى وراء الحراك «الشعبي»، بدت واضحة بعد ايام من هذه التحركات، وكانت الادلة واضحة على تواطؤ رئيس الحكومة مع «اجندتها»، حيث رفض عقد اي جلسة لمناقشة «الورقة الاصلاحية»، كما رفض عقد المجلس الاعلى للدفاع، ولم يوافق على «فتح الطرقات»، وكان يلتقي مرارا وتكرارا وفود من «الحراك» في «بيت الوسط»، وكان يدفع الامور نحو افشال اي اجراء لتعديل الحكومة «بشروط تعجيزية»، وكان ما كان بالانقلاب على «التسوية» والاستقالة دون تأمين نزول آمن للازمة... ووفقا لتلك الاوساط، لم تكن واشنطن وحلفاؤها يريدون الفوضى في البلاد، وكان هذا واضحا من خلال سياق التحركات الاحتجاجية انهم تريثوا في الطلب من رئيس الحكومة الاستقالة، لكنها اصبحت ضرورة قبل ساعات بعدما تراجع «الزخم» في الشارع، فكان لا بد من «قلب الطاولة» وكشف دور رئيس الحكومة «الخفي»، والان بعدما «ارسل» اشارات بوجود «شارع» لديه قادر على «قطع الطرق» لدعمه متى شاء، يحاول الان «فرض» شروط جديدة بعيدا عن التوازنات في المجلس النيابي... ومن هنا بدأت مرحلة جديدة من «عض الاصابع» بعيدا عن «الشارع» دون ان تكون «ورقته» قد سحبت من التداول... في المقابل، تؤكد اوساط «بيت الوسط» ان الحديث عن ضغوط خارجية مناف للواقع، كما ان الحريري لم يختار «الهروب من المسؤولية»، او «غسل يديه» من مسؤولية المرحلة الماضية، لكنه كان واضحا في حديثه مع كل الافرقاء بان ثمة «ثمن» سياسي يجب دفعه، وبعدما رفض الاخرين ذلك، وتجاهلوا التطورات المتسارعة على الارض والتي كانت تشير الى ان البلاد قد اقتربت من مرحلة «الصدام»، اختار ان تكون الحكومة هي «الثمن» الاقل تكلفة، وهو بذلك وضع الجميع امام مسؤولياتهم لايجاد حلول سريعة، وتشكيل حكومة جديدة تتناسب مع حجم الازمة الراهنة، مع الاشارة الى ان الحريري بات اليوم متحررا من اي «قيود» وهو يرفض اي شروط مسبقة لا ترضيه... من جهتها ترفض اوساط التيار الوطني الحر محاولة رئيس الحكومة الواضحة لتحميلها مسؤولية الفشل في الحفاظ على مقتضيات التسوية الرئاسية، او «الخراب» الاقتصادي في البلاد على الرغم من اقرارها بانها لم تستطع تحقيق آمال اللبنانيين في خلق مناخات جديدة بعد وصول الرئيس ميشال عون الى بعبدا، لكنها تعتبر في هذا السياق ان ما يحصل يندرج في اطار محاولات اضعاف العهد ومعاقبته على مواقفه الاستراتيجية البعيدة عن الازمات الاقتصادية التي يتحمل مسؤوليتها الجميع بدرجات متفاوتة... نحن امام مرحلة جديدة تقول تلك الاوساط، الحريري اختار «طعن» شريكه في «الظهر» عن سابق تصور وتصميم ولم تعد «الاجندة» التي يتحرك من خلالها مخفية على احد، والساعات المقبلة ستكون مفصلية لتحديد الخيارات ومراجعة طبيعة التعامل مع المرحلة المقبلة، خصوصا ان بعض المؤشرات المقلقة بدأت تطل برأسها بعدما اصدر النائب العام التمييزي القاضي غسان عويدات عقوبات مسلكية بحق النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضية غادة عون، وهي «رسالة» سياسية واضحة المعالم تحتاج الى التوقف مليا عند ابعادها...! في هذا الوقت، قد يكون النائب السابق وليد جنبلاط، ورئيس القوات اللبنانية سمير جعجع من اكثر الاطراف ارتياحا لسقوط الحكومة في «الشارع» بعدما شعرا ان «قواعد اللعبة «اختلّت بشكل كبير لصالح العهد الذي عمل على تهميشهما داخل مجلس الوزراء وخارجه، في ظل تواطؤ واضح من الرئيس الحريري بحجة تمسكه بالتسوية الرئاسية، لكن امكانية استفادة الرجلين من سقوط «التسوية» تبقى مرهونة بمعطيات داخلية وخارجية لا تبدو معالمها واضحة حتى الان، فاذا كانت عودة العلاقة الى سابق عهدها مع «القوات» تحتاج الى تدخل اقليمي مباشر لاقناع الحريري او «ارغامه» عليها بسبب انعدام «الثقة» بين الطرفين بعدما اتهم رئيس الحكومة «معراب» مرارا وتكرارا «بخيانته»، بينما يستمر جعجع بتحميله مسؤولية تهميشه، فان وضع جنبلاط يبقى مختلفا، فهو كان قد دعا رئيس الحكومة، اكثر من مرة على قلب الطاولة على الوزير جبران باسيل و«العهد»، وهذا ما حصل، لكنه تمسك بالبقاء في «المركب» مع الحريري، والاهم من كل ذلك انه لا يزال متمسكا بعدم اثارة «ريبة» حزب الله من كل ما يحصل من خطوات، ويرسل اشارات «تطمينية» تتعلق «بسلاح المقاومة»، وكذلك التوازنات الداخلية التي لا يرغب بان تكون مثيرة «للنقزة» في حارة حريك لانه يعرف جيدا ان استمرار القلق هناك يعني ان احتمال «قلب الطاولة» وارد في اي وقت...