تفتح المصارف اللبنانية أبوابها أمام المواطنين صباح غد الجمعة بعد إقفال دام أربعة عشر يومًا نتيجة الإحتجاجات التي عمّت لبنان وأدّت إلى إستقالة الحكومة. الشائعات التي عمّت قبل إستقالة الحريري والتي طالت تهافت المواطنين على سحب أموالهم من المصارف، لها خلفيات سياسية ولا أساس علمي لها. غدًا لن يكون هناك أية قيود على سحب الأموال والليرة سيتمّ تأمينها على سعر الصرف الرسمي المُحدّد من قبل مصرف لبنان. فترة الإحتجاجات التي طالت لبنان خلال الأربعة عشر يومًا الماضية دكّت مضاجع السلطة السياسية. ولم يكن يتوقّع أحد من أصحاب المعالي الجالسين على طاولة مجلس الوزراء أن ردّة فعل الشارع على ضريبة الـ 0.2 دولار على الواتساب ستكون بهذا الحجم، وإلا لما أقرّوها! الطبقة السياسية بأكملها كانت مُرتبكة والا لما لجأت إلى العديد من الوسائل للجمّ هذه الإنتفاضة التي شلّت الحركة الإقتصادية على كامل الأراضي اللبنانية. بعض الأشخاص عمدوا إلى بث إشاعات خصوصًا خلال هذا الأسبوع وعلى رأسها شائعة تنصّ على أن المواطنين سيتهافتون عند إعادة فتح المصارف أبوابها أمام المواطنين إلى سحب أموالهم من المصارف كما أن الدولار الأميركي سيقّفز إلى مستويات عالية، تنافس أصحاب الشائعات على رفعها. كل هذا من دون أية أسس علمية ولا منطقية إلا أللهم إستغلال الفوضى واللعب على عواطف الناس. عمليًا، إقفال المصارف خلال أربعة عشر يومًا كان ضروريًا لتفادي سيطرة الشائعات على سلوك المودعين. نظرية الـ«Behavioral Finance» وصفت بدقّة سلوك المُستثمر والمودع في ظلّ الظروف التي تُحيط بصاحب القرار. هذا الأخير يعّمد إلى تعظيم إستفادته الشخصية (Utility Function) في كل مرّة يقوم بأخذ قرار مالي أو إقتصادي. وبالتالي، إذا كان مُقتنعًا أن هناك تهافتاً على سحب الأموال من المصارف، سيعمد إلى تقليد الأخرين مما يخلق سلوكاً جماعياً مُشتركاً يُسمّى بالـ«Common Behavior» والذي يُصبح حقيقة إذا ما كان عدد الأشخاص المُقتنعين بهذا الأمر كبيراً. إذا وفي حال فوضى كالتي عاشها لبنان خلال هذه الفترة، إشاعة كاذبة مُمكن أن تؤدّي إلى أزمة! من هنا كان الدافع الأساسي أمام المصارف إلى الإقفال بالإضافة إلى المخاوف الأمنية على الموظّفين نتيجة الإحتجاجات. في الواقع، الشائعات غير صحيحة والأدلّة عديدة نذكر منها: أولاً- إعادة فتح المصارف أبوابها مما يؤكّد أن لا أساس علمي اًللشائعات بعدم توفّر الأموال؛ ثانيًا- قسم كبير من الودائع هي ودائع مُجمّدة وبالتالي من المفروض إنتظار الإستحقاق لسحب الأموال؛ ثالثًا- الفائدة التي يتقاضاها المودع على ودائعه عالية ولا يوجد لها مثيل في الدول التي تمتّع بمصداقية مصرفية مثل لبنان؛ رابعًا- السيولة لدى المصارف عالية جدًا، وعلى الرغم من تراجع النشاط الإقتصادي في العام 2019 وتخفيض تصنيف لبنان الإئتماني (مما يعني تجميد أموال إضافية من رأسمال المصارف لحماية الودائع)، إلا أن المصارف ما زالت تحترم معيار بازل 3 ولا تزال تتمتّع بسيولة عالية؛ خامسًا- بفرضية أن المودعين قاموا بسحب أموالهم، أين سيذهبون بها؟ في الواقع وضع الأموال في المنازل يُشكّل خطراً أمنياً ويزيد من السرقات! أمّا إذا أرادوا تحويلها إلى الخارج، فهناك شبه إستحالة أن يتمّ هذا الأمر في وقت قصير نظرًا إلى طلبات فتح الحساب التي سيقومون بها والتي تتطلّب وقتًا طويلاً قبل تحقيقها، إلا إذا كان المودع يمتلك أصلاً حساباً مصرفياً في الخارج. هذه الأسباب تدّفعنا إلى القولّ إلى أن المُستثمر العقلاني (عملاً بنظرية الـ Behavioral Finance) لن يُقدم على سحب الأموال إلا إذا كان بحاجة إلى صرفها. وبالتالي فإن المصارف لن تفرض قيودًا على سحب الأموال إذا ما أراد المودع ذلك. أمّا على صعيد سعر صرف الليرة مُقابل الدوّلار الأميركي، معروف أن هناك هجوماً مُستمرّاً من بعض الأشخاص ذات خلفيات (سياسية وشخصية) وهو يدوم منذ أكثر من عقد. وللأسف اليوم يتكرّر على شاشات التلّفزة من دون أي إحترام لقانون العقوبات (المادتين 319 و320) حيث من المفروض سوق هؤلاء الأشخاص أمام القضاء لمخالفتهم القانون وبث شائعات خبيثة تضرّ بالأمن القومي اللبناني. إن الحديث عن تراجع الليرة اللبنانية أمام الدولار الأميركي هو كلام عارٍ عن الصحة للأسباب التالية: أولاً- إلتزام حاكم مصرف لبنان رياض سلامة في تصريح له لوكالة «رويترز»، بالحفاظ على ربط العملة المحلّية بالدولار وتأكيده أن لديه الوسائل لذلك. ثانيًا- حجم الإحتياط من العملات الأجنبية والذي يبلغ 38.2 مليار دولار أميركي. هذا الإحتياط كفيل بالدفاع عن أي هجوم على الليرة في الأسواق. أضف إلى ذلك أن المصرف قادر على إستخدام 33 مليار دولار أميركي من هذا الإحتياط فورًا للدفاع عن الليرة إذا ما لزم الأمر. ثالثًا- عمليات تهريب الدولارات النقدية (كاش) إلى خارج لبنان بهدف التجارة، كانت تتمّ على أيدي بعض تجّار الوطن. هذه العمليات تمّ رصدها وتمّ أخذ إجراءات لمنعها من قبل القضاء اللبناني. وبالتالي فإن السعر الذي نشهده لدى الصيارفة يعكس حجم الطلب على الدولار بهدف تهريبه إلى الخارج من قبل أشخاص بدون ضمير، يضعون الأمن الإجتماعي للمواطن اللبناني على المحكّ. رابعًا- كمّية السيولة بالليرة اللبنانية المُتوافرة بين أيدي الناس ليس بكبيرة نظرًا إلى أن مُعظم الكتّلة النقدية مُجمّدة ولو على فترات قصيرة. وبالتالي لا يُمكن أصلاً الإنطلاق من أرقام كبيرة لتحويلها إلى دولار حتى لو رغب الشخص. خامسًا- سعر الفائدة المُرتفع على الليرة اللبنانية والذي يُشكّل حاجزًا أساسيًا أمام تحويل الليرة إلى دولار أميركي. فالعديد من الأشخاص الذي يعيشون من فوائد ودائعهم في المصارف ليسوا مُستعدّين لخسارة هذا المدّخول. من كل ما تقدّم، نرى أن سعر صرف الدولار مقابل الليرة اللبنانية سيبّقى على السعر الرسمي في القنوات المصرفية، مع التأكيد أنه لن يتمّ إعطاء دولار نقدًا (كاش) بكمّيات كبيرة خوفًا من تهريبها إلى الخارج. أمّا فيما يخصّ المعاملات التجارية، فإن إستخدام القنوات المصرفية سيسمح بالحصول على دولار أميركي بسعر السوق داخل الهامش الرسمي المُحدّد من قبل مصرف لبنان. يبقى القول أن على المواطن أن يكون واعيًا لقراراته، لأن قبول الشائعات والتهافت غير المبرّر على سحب الأموال سيؤدّي إلى إرباك يُمكن أن يكون كارثياً (قانون الأعداد الكبيرة). الجدير ذكره أنه حتى في بلد مثل الولايات المُتحدة الأميركية، إذا قرّر الشعب الأميركي كلّه سحب أمواله من المصارف، فهذا سيؤدّي إلى أزمة في المصارف الأميركية! اما حديث بعض الخبراء الماليين الذين هم متعمقون في الشأن المالي المصرفي في لبنان يقولون ان الناس ستسحب أموالها من المصارف وتضعها في المنازل وهذا ليس صحيحا ذلك ان الذي اشترى سيارة بموجب شيك عندما سيستحق ثمن السيارة بعد شهر سوف يسحب الأموال من المصرف ليسلمها لشركة السيارات وشركة السيارات ستضع الأموال في المصارف كذلك كل محلات السمانة والمحلات التجارية التي اشترت بضائع وعليها شيكات ستسحبها من المصارف ستدفعها للشركات الكبرى والشركات ستضع أموالها في المصارف، قد يتم وضع بضعة الاف دولار في كل بيت 4 او 5 الاف دولار لكن الحركة المالية ضمن المصارف لا يمكن ان تتوقف ولا ضمن شركات السيارات ولا ضمن كل ما يحتاجه الشعب اللبناني من ثياب وسيارات واغراض للمنازل سيتم دفعه الى الشركات والشركات مضطرة ان تضع أموالها في مصارفها، لذلك الكلام ان الناس ستضع أموالها في المنازل هو كلام في غير محله.