دخل لبنان مرحلة حرجة جدًا، بسبب إستمرار الدوران منذ نحو أسبوعين في حلقة مُفرغة، حيث لا يزال البلد مُقطّع الأوصال في ظلّ تفاوت في نسبة الشلل الجزئي بين المناطق، في حين تغيب اللقاءات السياسيّة المَطلوبة للمُعالجة، كما تغيب الإجتماعات الدَوريّة للحُكومة، في ظلّ نفي مُستمرّ لإمكان تقديم إستقالتها قريبًا - كما يتردّد بين الحين والآخر. وبين من يدعو إلى فتح الطُرقات بالقُوّة، ومن يدعو إلى إستقالة الحُكومة فورًا ومن دون أيّ تأخير إضافي، تبقى الأزمة الحاليّة مَفتوحة على كل الإحتمالات في الوقت الذي إرتفعت فيه المخاوف جديًا، بشأن قرب تعرّض لبنان لإنهيار مالي مُدمّر للسُلطة وللمُحتجّين في الشارع، على حدّ سواء! فما هي أبرز أسباب إستمرار هذا الوضع غير الصحّي على الإطلاق؟

بحسب مصدر وزاري سابق، إنّ ثلاث لاءات كبيرة، مَنعت إستقالة الحُكومة حتى اليوم، وجمّدت الوضع الحالي على كل ما فيه من سيّئات! وأوضح أنّ اللاء الأولى تتمثّل في رفض حزب الله إستبدال الحُكومة الحالية، بحكومة خالية كليًا من السياسيّين، مُشيرًا إلى أنّ الحزب يُؤيّد إجراء تعديلات مُهمّة على الحُكومة، لجهة إدخال شخصيّات مُستقلّة وتكنوقراط تحظى بثقة الرأي العام، لكن ليس على حساب تنفيذ أجندة أميركيّة ـ غربيّة تقضي بإخراجه من المُعادلة السياسيّة اللبنانيّة، في إطار مُخطّط مُتكامل لتضييق الخناق الإقتصادي والسياسي عليه، بعد أن فشلت المُحاولات المُتكرّرة لتقويضه أمنيًا. وأوضح المصدر نفسه أنّ الحزب يُوافق على إجراء تعديل حُكومي كبير، يُدخل شخصيّات مَرموقة يُمكن أن ترضي الشارع، بشرط الإبقاء على الوُجود السياسي الوزاري للمحور المُؤيّد للمُقاومة فاعلاً فيها.

ولفت المصدر الوزاري السابق ـ الذي يحظى بإحترام لدى «المُجتمع المَدني»، إلى أنّ اللاء الثانية الكبيرة، تتمثّل في رفض وزير الخارجية والمُغتربين جبران باسيل الخُضوع لمُحاولات حزب «القوّات اللبنانيّة» تأليب الرأي العام عليه، وإخراجه من السُلطة. وقال إنّ «التيّار الوطني الحُرّ» يَعتبر أنّ إخراج رئيسه من الحُكومة، هو بمثابة إنتحار سياسي، كونه سيُظهر الوزير باسيل مسؤولاً عن الأزمة الحالية، وهو تزوير ما بعده تزوير وتشويه كامل للحقيقة برأي «التيّار»، وسيُظهر الوزير باسيل مَهزومًا أمام من يصفهم بقُطاع الطرق، وهو ما لا يُمكن القُبول به إطلاقًا. وكشَف المصدر الوزاري السابق نفسه، أنّ ما تردّد عن إشتراط تنحّي رئيس الحكومة عن رئاسة الحُكومة في مُقابل إخراج الوزير باسيل من أيّ حُكومة مُقبلة، هو طرح جدّي وليس عبارة عن إشاعة، والهدف منه التخلّص من مطلب إخراج الوزير باسيل، عبر إعادة إحياء أحد المطالب القديمة، والذي يقضي بمَنع الجَمع بين مَنصبي النيابة والوزارة، في السلطة التنفيذيّة.

وتابع المصدر الوزاري السابق، أنّ اللاء الثالثة الكبيرة، تتمثّل في رسائل جدّية وُجّهت إلى رئيس الحكومة تُحذّره من مغبّة الإقدام على الإستقالة، من دون تحضير مُسبق للخطوة التالية، لأنّ هذا الأمر سيُؤدّي إلى تفاقم الأزمة بشكل خطير، ليس ماليًا وإقتصاديًا فحسب، إنّما سياسيًا وربّما أمنيًا أيضًا. وأضاف أنّ أكثر من جهة من ضُمن أركان الدولة والأحزاب الرئيسة فيها، أبلغت الرئيس الحريري، أنّ تقديم إستقالته من دون التوافق المُسبق على حُكومة بديلة، في مُحاولة لوضع مُختلف الأفرقاء أمام الأمر الواقع، سيدفع المُحتجّين إلى سوء تقدير الموقف، وإلى الإندفاع أكثر في مطالبهم في إتجاه إسقاط كامل السُلطة، الأمر الذي لن يعود من المُمكن السُكوت عنه، أيّا تكن النتائج والعواقب!

وأشار المصدر الوزاري السابق، إلى أنّ رئيس الحكومة المُحرج أمام الشارع، يبذل حاليًا جُهودًا بعيدة عن الأضواء ترمي إلى التوصّل إلى مخرج وسطي، يقضي بإجراء تعديل وزاري يطال ثلث الوزارة الحالية، بحيث لا يستقيل كليًا ولا يكتفي بإستبدال وزراء «القوات» المُستقيلين ـ كما يُطالب البعض. وأضاف أنّ هذا الخيار يُواجه خطر الرفض من الشارع، علمًا أنّ الطريق أمامه ليس مُمهّدًا حيث أنّ «التيّار الوطني الحُرّ» يضغط لإخراج «الحزب التقدمي الإشتراكي» من الحُكومة ضُمن أي تعديل جزئي للحُكومة، بحجّة تأمين حُكومة مُنتجة ومُنسجمة، الأمر الذي يرفضه كلّ من «المُستقبل» و«الإشتراكي».

وأضاف المصدر نفسه أنّ رئيس الحكومة لا يزال حتى هذه اللحظة يرفض أن يتمّ فتح الطرقات بالقوّة من قبل القوى الأمنيّة، لأنّ هذا القرار يعني التسبّب بسُقوط العديد من الضحايا في صُفوف المُتظاهرين، وهو ما لا يُمكنه تحمّله، وسيدفعه إلى الإستقالة فورًا! وختم المصدر نفسه كلامه بالقول إنّ كل ما سبق، يمنع الرئيس الحريري من الإستقالة، لكن هذا الواقع يُمكن أن يتغيّر خلال ساعات، بمُجرّد إقتناع رئيس الحكومة بأن كلفة الدوران في حلقة مُفرغة، في ظلّ تعثّر الأعمال والدراسة ودورة الحياة الطبيعيّة، هي أكثر ضررًا من كلفة الإستقالة من دون إتفاق والتحوّل إلى رئيس حُكومة تصريف أعمال!